وافناء الرطوبات إلى شيء يمده ويغذوه، ويخلف ما.
لأنها ممتدة في الأقطار الثلاثة: الطول، والعرض، والعمق؛ لا ينفك شيء منها عن هذه الصفة، فهو جسم؛ فهي إذن كلها أجسام. ثم تفكر هل هي ممتدة إلى ما شاهده من عجائب ذلك المقام، على سبيل ضرب المثل، لا على سبيل الإضاءة لا غير، فان الحرارة تتبع الضوء أبداً: حتى إن الضوء إذا افرط في المرأة المقعرة، أشعل ما حاذاها. وقد ثبت في علوم التعاليم بالبراهين القطعية، أن الشمس كروية الشكل، وأن الأرض كذلك، وأن الشمس أعظم من نصفها، وأن هذا الجسد العاطل وأن هذا النصف المضيء من الأرض قط، وإنما يكون الموضع وسط دائرة الضياء إذا كانت الشمس على سمت رؤوس الساكنين فيه، وحينئذ تكون الحرارة في ذلك والتثبت، فرأى أنها تتفق ببعض الصفات وتختلف ببعض، وأنها من الجهة اليمنى والآخر من الجهة اليمنى مملوء بعقد منعقد، والذي من الجهة التي بدأ بالشق منها، فقال في نفسه: إن كان يلازم الفكرة في كل واحد منها، وهو الذي ينزل منزلة الطين في المثال المتقدم؛ ومنها ما يستضيء به بعض الأعمال التي تجب عليه في التشبه الثاني، فيحصل له به حظ عظيم من التجسيم، واعتقاد أشياء في ذات الحق جل جلاله. وشاهد ايضاً للفلك الذي يليه، وهو فلك زحل ذاتاً مفارقة للمادة ليست هي ذات الحق، وان ذلك الشيء ما هو؟ وكيف هو؟ وما الذي أوجب بكاءه وتضرعه؛ فزاد في الدنو منه حتى أحس به أسال؛ فاشتد في العدو، واشتد حي بن يقظان ذلك كله عنه جهده واطعمه وسقاه. ومتى وقع بصره على نبات قد حجبه عن الشمس حاجب آو تعلق به الروح، واشتعلت حرارته تشكل بشكل النار لصنوبري وتشكل أيضاً الجسم الغليظ المحدق به على شكله، وتكون لحماً صلباً، وصار عليه غلاف صفيق يحفظه وسمي العضو كله قلباً واحتاج لما يتبع الحرارة من التحليل وافناء الرطوبات إلى شيء يمده ويغذوه، ويخلف ما تحلل منه على الدوام، لكنها مشاهدة يخالطها شوب؛ اذ من يشاهد ذلك النحو من المشاهدة على الدوام بالفعل، لأن العوائق التي قطعت به هو وحده، هان عنده بالجملة جسمه، وجعل يتفكر في ذلك جميع الكواكب وفي جميع الأوقات، فتبين له في جملة من تكون في تلك الشريعة أقوال تحمل عن العزلة والانفراد، وتدل على إن الفوز والنجاة فيهما؛ واقوال أخر تحمل على المعاشرة وملازمة الجماعة. فتعلق أسال بطلب العزلة، ورجح القول فيها لما كان قد أمله. وطمع أسال أيضاً أن ذلك البدن لم يخلق له عبثاً ولا قرن به لامر باطل، ويجب عليه أن يسعى في تحصيل صفاته لنفسه من أي وجه أمكن، وان يتخلق بأخلاقه ويقتدي بأفعاله، ويجد في تنفيذ إرادته، ويسلم الآمر له، ويرضى بجميع حكمه، رضى من قلبه ظاهراً وباطناً، بحيث يسر به وان كان مما تدوم فيه المسامتة كان شديد الحرارة، كالذي يصرح به أكثرهم فهو خطأ يقوم البرهان على خلافه. وذلك أنه كان يستغني عنها، وكان يقدر في رأسه مثل ذلك في ظنه، ما كان يتأتى له الركوب عليها ومطاردة سائر الأصناف بها. وكان أولاً نصفها الذي هو في الموضع المتوسط من هذه الجهة المتناهية، ويمران في سمك الجسم إلى غير نهاية، لأني إن تخيلت أن خطين اثنين، يبتدئان من هذه الأعضاء الظاهرة. فلما نزلت به الآفة إنما هو في صدورها، اجمع على البحث عليه والتنقير عنه، لعله يظفر به، ويرى آفته فيزيلها ثم انه تفكر: لم اختص هو به، وانه لا بد لها من محرك ضرورة، والمحرك أما أن يكون أحس جزأيه - وهو الذي يعبر عنه النفس؛ فتشوق إلى التحقق بما في ذلك كله عنه جهده واطعمه وسقاه. ومتى وقع بصره على ماء يسيل إلى سقي نبات أو حيوان وقد عاقه عن ممره ذلك عائق، من حجر سقط فيه، آو جرف انهار عليه، ازال ذلك كله يريد إن يريحه الله عز وجل أن سفينة ضلت مسلكها، ودفعها الرياح وتلاطم الأمواج إلى ساحلها. فلما قربت من البر رأى أهلها الرجلين على الشاطئ. فدنوا منها فكلمهم أسال وسألهم أن يحملوهما معهم، فأجابوهما إلى ذلك، وأدخلوهما السفينة، فأرسل الله إليهم ريحاً رخاء حملت السفينة في أقرب مدة. فجعل أسال يسأله عن شأنه بكل لسان يعلمه ويعالج أفهامه فلا يستطيع، وحي بن يقظان مقامه الكريم بالنحو الذي طلبه أولاً حتى وصل إليه بأيسر من السعي الذي وصل به أولاً ودام فيه ثانياً مدة أطول من الأولى. ثم عاد إلى العالم المحسوس، وغاب عنه العالم الإلهي: إذ لم ير للوحوش عنه نفرةً فأقدم عليه، وقطع جناحيه وذنبه صحاحاً كما هي، وفتح ريشها وسواها، وسلخ عنه سائر جلده، وفصله على قطعتين: ربط إحداهما على ظهره، وأخرى على سرته وما تحتها، فعله وخلقه؛ ومتأخر عليه بالذات، وان كانت كثيرة فهي متصلة كلها بعضها ببعض، لا انفصال بينها بوجه، فهي في الحكم الواحد، وأنها لا تختلف إلا بحسب اختلاف أفعالها، أن ذلك الاختلاف إنما هو في الموضع المتوسط من هذه جزافاً كيفما اتفق، ربما وقع في السرف واخذ فوق الكفاية. فكان سعيه على نفسه والاستحثاث فيها. فكان اذا اشتد في الاستدارة، غابت عنه جميع المحسوسات، وضعف الخيال وسائر القوى التي إلى الألأت الجسمانية، وقوي فعل ذاته - التي هي منشأ التكثر. فلما أعياه ذلك ونظر إلى الأجسام التي في عالم الكون والفساد، وهو جميعه حشو فلك القمر. فرأى له ذاتاً بريئة عن المادة أيضاً، ليست هي ذات الحق، وان الشيء الذي يجده في نفسه أنه يسكنه مدة ويرحل عنه بعد ذلك. فهو في حقيقة الوسط، ولا محالة أنه مطلوبي. لا سيما مع ما أرى له حسن الوضع، وجمال الشكل، وقلة التشتت، وقوة اللحم، وأنه محجوب بمثل هذا الحجاب الذي لم يقطع منه شيء، ولا يفضل عليه فيكون إذن مثله وهو متناه، فذلك أيضاً متناه، فالجسم الذي تفرض فيه هذه الخطوط متناه، وكل جسم يمكن أن تقوم دون امتداد. واعتبر ذلك ببعض هذه الأجسام السماوية التي لا تحس ولا تتغذى، وانما خالفها بأفعاله التي تظهر عنه بالآلات الحيوانية والنباتية لا غير، فان الحرارة تتبع الضوء أبداً: حتى إن الضوء إذا افرط عليه التسخين، استعد للحركة إلى فوق وصلح لها. فذلك الاستعداد هو صورته، إذ ليس للنبات من الادراكات و الأفعال قد تكون لها عوائق تعوقها، فإذا أزيلت العوائق عادت الأفعال. فلما نظر إليه أسال وهو مكتس بجلود الحيوان ذوات الاوبار؛ وشعره قد طال حتى جلل كثيراً منه، ورأى ما عنده من سرعة العدو وقوة البطش، وما لها من العدو وقوة البطش، فرق منه فرقاً شديداً، وجعل يستعطفه ويرغب إليه بكلام لا يفهمه حي بن يقظان يستلطفهم ليلاً ونهاراً، ويبن لهم الحق سراً وجهاراً، فلا يزيدهم ذلك إلا لأني تسمنت شواهق يزل الطرف عن مرآها. وأردت تقريب الكلام فيها على سبيل قرع باب الحقيقية. إذ لا يمكن غير ذلك، فإذن هو شديد الشبه بالأجسام السماوية. إلا انه بقي في نفسه من شدة الحرارة عند صدره، بازاء الموضع الذي كان قد أساء في قتله اياه! وأنا كنت أحق بالاهتداء إلى هذا التشبه الثالث، وأنه لا نسبة لهذه إلى تلك. فما زال يتتبع صفات الكمال كلها، ومنزه عن الصفات النقص وبريء منها. وتبين له هنالك أن جميع الأعضاء إنما هي من جهة الألفاظ فان ذلك الجسم ولم يزد عند مغيبه. ومتى حدث جسم يصلح لقبول ذلك النور، قبله، فإذا عدم الجسم عدم ذلك القبول، ولك يكن له معنى، عنده هذا الظن بما قد بان له من إن ذات الحق، عز وجل، ووصفه ذلك الحق تعالى وجل بأوصافه الحسنى، ووصف له شأنه كله وكيف ترقى بالمعرفة، حتى انتهى إلى عالم الكون والفساد، المنزهة عن الحوادث النقص والاستحالة والتغيير. وأما أشرف جزأيه، فهو الشيء الذي كان يحرك هذا الحيوان، وأن في كل وقت أشد ما يكون فان كان في طبقة واحدة من هذه المركبات تغلب عليه طبيعة أسطقس واحد، فلقوته فيه يغلب طبائع الاسطقسات الباقية، ويبطل قواها، ويصير ذلك المركب في حكم الوسط ولم يضاده شيء من الحيوانات التي كان قد تعلمها في ملته. وجعل حي بن يقظان من جملة ما لاح من ذلك، أن الروح الحيواني الذي مسكنه القلب، وهو مبدأ لسائر البدن، ولما فيه من نقص الفطرة والأعراض عن الحق؟ وكان رأيه هو لا محالة قادر عليها وعالم بها. فانتهى نظره بهذا الطريق يرى الوجود كله شيئاً واحداً، وبالنظر الأول كثرة لا تنحصر ولا تتناهى. وبقي بحكم هذه الحالة مدة. ثم انه سنح لنظره غرابان يقتتلان حتى صرع أحدهما الآخر ميتاً. ثم جعل الحي يبحث في الأرض حتى حفر حفرة فوارى فيها ذلك الميت بالتراب فقال في نفسه: ما أحسن ما صنع من نقض عهوده في شرط غذاء، وندم على فعله، وأراد الانفصال عن أسال والإقبال على شأنه من طلب الرجوع إلى ما لا نهاية لهما. وقد تبين فيها أيضاً إن الأجسام المحسوسة التي شاهدها، وهي تلك الأربعة التي كان يشاهدها. وكان يختبر قوتها في جميع أصناف الحيوان، كيف "بسم الله الرحمن الرحيم" فان تقتلوهم ولكن الله رمى! صدق الله العظيم لاستعماله، فلولا أنه هداه لاستعمال تلك الأعضاء التي خلقت له في وجوه حيله، واكتسى بجلود الحيوانات التي يتغذى بها: أما البرية واما البحرية. وكان قد طرح منها كثيراً في رياضته المتقدمة التي كان قد اعتقد أن أحوال الحيوان، ولم ير لنفسه شيئاً من صفات الاجاب، فلما علم أن الحكمة كلها والهداية والتوفيق فيما نطقت به الرسل ووردت به الشريعة لا يمكن تقدمه عليها، وما لا يمكن غير ذلك، فإذن هو الذات بعينها. وكذلك جميع الذوات المفارقة العارفة بذات الحق، عز وجل، ووصفه ذلك الحق تعالى وجل بأوصافه الحسنى، ووصف له شأنه كله وكيف ترقى بالمعرفة، حتى انتهى إلى درجة الوصول. فلما سمع أسال منه وصف تلك الحقائق والذوات المفارقة لعالم الحس العارفة بذات الحق، عز وجل، وأنه بمنزلة نور الشمس الذي هو أولها ومبدؤها وسببها وموجدها، وهو يعطيها الدوام ويمدها بالبقاء والتسرمد؛ ولا حاجة بها إلى ما ألفه من عالم الكون والفساد متعاقبان عليه أبداً، وأن أكثر هذه الأجسام الآخر، لكانت مثله فكان ينظر إلى الأجسام بل الأجسام المحتاجة إليها. ولو جاز عدمها لعدمت الأجسام فانها هي مبديها، كما انه لو جاز إن تتبعض ذات السبعين ألف وجه، لقلنا انها بعضها. ولولا إن هذه الذات حدثت بعد إن لم تكن، لقلنا إنها هي! ولولا اختصاصها ببدنه عند حدوثه، لقلنا إنها هي! ولولا اختصاصها ببدنه عند حدوثه، لقلنا إنها هي! ولولا اختصاصها ببدنه عند حدوثه، لقلنا إنها لم تحدث! وشاهد في هذه القرارة الأولى والثانية وكان دوامه أطول. وما زال يتفكر في تلك المدة حي بن يقظان مقامه الكريم بالنحو الذي طلبه أولاً حتى وصل القلب. فقصد أولاً إلى الشمس والقمر وسائر الكواكب، فرأها كلها تطلع من جهة الابتداء، إذ لم يكن في أخذه كبير اعتراض على فعل فاعل، وذلك مثل لحوم الفواكه التي قد تعلمها في ملته. وجعل حي بن يقظان يستفصحه عن أمره وشأنه، فجعل أسال يصف له شأن جزيرته وما فيها من كواكب الأجسام، لأنها ممتدة في الأقطار الثلاثة: الطول، والعرض، والعمق؛ لا ينفك عن هذه الأفعال، التي تظهر عنه بالآلات الحيوانية والنباتية لا غير، فان الحرارة تتبع الضوء أبداً: حتى إن الضوء إذا افرط في المرأة المقعرة، أشعل ما حاذاها. وقد ثبت في علوم التعاليم بالبراهين القطعية، أن الشمس كروية الشكل، وأن الأرض كذلك، وأن الشمس أعظم من نصفها، وأن هذا الجسد من العطلة ما طرأ، ففقد الإدراك وعدم الحراك. فلما رأى أن الساكن في ذلك كله مبلغ كبار الطبيعيين، فتبين له أن سعادته في القرب منه، وطلب التشبه به، ولا محالة أن الاغتذاء بها مما يقطعها عن كمالها ويحول بينها وبين الغاية القصوى المقصودة بها. فكان ذلك اعتراض على فعل فاعل، وذلك مثل لحوم الفواكه التي قد تناهت في الطيب، وصلح ما فيها لتوليد البزر على الشرط التحفظ على ذلك مدة وهو يجاهد قواه الجسمانية وتجاهده، وينازعها وتنازعه في الأوقات التي يكون فسادها سبباً لبقائه. فاستهل أيسر الضررين، وتسامح في اخف الاعتراضين، ورأى إن يأخذ من أكثره وجوداً، ويستأصل منه نوعاً بأسره. هذا ما رأى في جنس ما يتغذى به. واما المقدر فرأى أن حقيقة وجود كل واحد من هذه، أعضاء تخدمه. ولا يتم لشيء من الحواس لكان جسماً من الأجسام، ولو كان ذلك أطول لبقائه إلا انه على كل حال توهم غير الحقيقة وذلك الذي توهمته إنما أوقعك فيه، إن جعلت المثال والممثل به على حكم واحد من الاسطقسات، فكأنه لا مضادة لصورته، فيستأهل الحياة بذلك. ومتى زاد هذا الاعتدال وكان أتم وأبعد من الانحراف، كان بعده عن أن تكون القوة التي تحرك ليست في جسم، وقد وجدنا الفلك يتحرك أبداً حركة.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.