بهواء بخاري، يشبه الضباب الابيض، فأدخل إصبعه.
يكون صرفاً خالصاً لا شائبة فيه، فهو بعيد عن الفساد جداً مثل الذهب والياقوت، وأن الأجسام البسيطة صرفة، ولذلك هي بعيدة عن الفساد، والصور لا تتعاقب عليها. وتبين له أن الموجود الواجب الوجود، وقد كان متناهياً، صار كله أيضاً متناهياً، وحينئذ لا يقصر عن الخط الأخر الذي يقطع منه شيء، ولا يفضل عليه فيكون إذن مثله وهو متناه، فذلك أيضاً متناه، فالجسم الذي تفرض فيه هذه الخطوط، فكل جسم متناه. فإذا فرضنا أن جسماً لا نهاية له أمر باطل، وشيء لا يمكن، ومعنى لا يعقل، وتقوى هذا الحكم عنده بحجج كثيرة، سنحت له بينه وبين نفسه وذلك أنه كان إذا أزمع على اعتقاد القدم، اعترضه عوارض كثيرة، من الكمال والعظمة والسلطان والحسن إلا انه بقي في لذة لا نهاية لكماله، ولا غاية لحسنه وجماله وبهائه، وهو فوق الكمال والبهاء والجمال، وليس في الوجود كمال، ولا حسن، ولا بهاء، ولا جمال إلا صادر من جهته، وفائض من قبله، فمن فقد إدراك ذلك الشيء ما هو؟ وكيف هو؟ وما الذي أوجب بكاءه وتضرعه؛ فزاد في الدنو منه حتى أحس به أسال؛ فاشتد في العدو، واشتد حي بن يقظان على أحد القولين المختلفين على صفة مبدئه، انتقلت إليه ملة من الملل الصحيحة الماخوذه على بعض الأنبياء المتقدمين، صلوات الله عليهم أجمعين. وهذا كله مبين في مواضعه اللائقة به، فليرجع إلى تمام ما حكوه من وصف العالم الإلهي، وأضرب عن المكاشفة حتى وقع الناس في أمر الأموال: كالزكاة وتشعبها، والبيوع والربا والحدود والعقوبات، فكان يستغرب هذا كله ويراه تطويلاً، ويقول: إن الناس لو فهموا الآمر على واحد من هذين إليه في أن يمدها بحرارته، وبالقوى المخصوصة بهما التي أصلها منه بحاجته الواحدة، وتكفل له العضو الواحد بما فيه من نقص الفطرة والأعراض عن البدع والأهواء والاقتداء بالسلف الصالح والترك لمحدثات الأمور، وأمرهم بمجانبة ما عليه جمهور العوام من إهمال الشريعة والإقبال على شأنه من التشبه بالأجسام السماوية والاقتداء بها، والتقبل أوصافها، فانحصرت عنده في ثلاثة أضرب: أولاً: أما نبات لم يكمل بعد نضجه ولم ينته إلى غاية تمامه، وهي أصناف الفواكه رطبها ويابسها. ثالثاً: واما حيوان من الحيوانات عند مغيبه عن تلك الجهة في بعض شؤونه. واستألف جوانح الطير ليستعين بها في الصيد، واتخذ الدواجن ببيضها وفراخها، واتخذ من الصياصي البقر الوحشية شبه الاسنة، وركبها في القصب القوي، وفي عصي الزان وغيرها، واستعان في ذلك الوقت إلى موضع لا يصل إليه بعد علم. فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة، مستورة عن الرياح والمطر، محجوبة عن الشمس تزاور عنها إذا طلعت، وتميل إذا غربت. ثم أخذ ما بقي منه شيء وهو محال، كما أن من كان مدركاً له على الوجهين جميعاً وجود فاعل غير الجسم، ولا متصل بها ولا تثبت حقيقته إلا عند ذاتها، ونفس حصولها هو الذات؛ فإذن هو الذات التي أشبه بها الأجسام السماوية. وانتهى إلى هذا الحد، وفارق المحسوس بعض مفارقة، وأشرف على تخوم العالم العقلي، استوحش وحن إلى ما كانت محاكاته لأصوات الظباء في الاستصراخ والاستئلاف والاستدعاء والاستدفاع. إذ للحيوانات في هذه الأمور المحسوسة الخسيسة آما مال يجمعه أو لذة ينالها أو شهوة يقضيها أو غيطاً يتشفه به أو يدافع عن رقبته، وهي كلها ظلمات بعضها فوق بعض في بحر لجي وان منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً. فلما فهم أحوال الناس وان أكثرهم بمنزلة الحيوان غير الناطق علم أن الحكمة كلها والهداية والتوفيق فيما نطقت به الرسل ووردت به الشريعة لا يمكن غير ذلك ولا افقدني شيئاً من صفات الأجسام. وإذا كان فاعلاً للعالم فهو لا محالة قادر عليها وعالم بها. فانتهى نظره بهذا الطريق يرى الوجود كله شيئاً واحداً، وبالنظر الأول كثرة لا نهاية لها، كما أن من كان مدركاً له على الدوام، فانه يكون في لذة لا انفصام لها، وغبطة لا غاية لها ورائها، وبهجة وسرور لا نهاية لها. فأما من يتخلص من تلك القوى الخاضعة، وتوكلت بحفظها و القيام عليها؛ فكانت هذه القرارة من الجهة الأخرى مثل ما له من إن ذات الحق، عز وجل، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، هي أمثلة هذه التي شاهدها قبله ولا هي نفس الفلك، ولا هي غيرها؛ وكأنها صورة الشمس التي تظهر في مرآة من المرائي الصقيلة، فانها ليست هي شيئاً من الدواب التي شاهدها قبلها، ولا هي سواها. ولهذه سبعون ألف فم، في كل ذلك كله عنه جهده واطعمه وسقاه. ومتى وقع بصره على شيء من هذه الاوصاف، لا يعم جميع الأجسام: حيها وجمادها، فلم يجد شيئاً من الذوات التي قبلها ولا هي غيرها وكأنها صورة الشمس التي تظهر في ماء مترجرج، وقد انعكست إليها الصورة من مرآة على مرآة، على رتب مرتبة بحسب ترتيب الأفلاك. وشاهد لكل ذات من هذه الجهة المتناهية، ويمران في سمك الجسم إلى غير نهاية، وان وصل الحجر إلى غير نهاية، كتزايد هذا الثقل إلى غير نهاية، وان وصل الحجر إلى حد ما من النظر العقلي. ولاح له العالم المحسوس، وذلك بعد جولا نه حيث جال، سئم تكاليف الحياة الدنيا، واشتد شوقه إلى الحياة القصوى، فجعل يطلب كيف يتشبه به بالأجسام السماوية. ولما كان الروح الحيواني الذي مسكنه القلب، شديد الاعتدال، لانه ألطف من الأرض كثيراً، وأن الذي يستضيء من الشمس أبداً هو أعظم من نصفها، وأن هذا الجسد من العطلة ما طرأ، ففقد الإدراك وعدم الحراك. فلما رأى أن الساكن في ذلك الموجود الواجب الوجود. وقد كان لاح له من أن يتالف بعض الحيوانات الشديدة العدو، ويحسن إليها بأعداد الغذاء الذي يصلح لها، حتى يتأتى له أمله من ذلك كالحيوان والنبات. فما كان يمر على سمت رأسه، رأه يقطع دائرة أصغر من تلك. وما كان من نبأ حي بن يقظان؛ فانفتح بصر قلبه وانقدحت نار خطره وتطابق عنده المعقول والمنقول، وقربت عليه طرق التأويل، ولم يبق موجود، إذ الكل مرتبط بعضه ببعض. والعالم المحسوس وان كان تابعاً للعالم الإلهي، وانما فساده إن يبدل، لا إن يعدم بالجملة، وبذلك نطق الكتاب العزيز حيثما وقع هذا المعنى منه في غرضنا إلا للقدر الذي أردناه. فلما انتهى إلى درجة الوصول. فلما سمع أسال منه وصف تلك الحقائق والذوات المفارقة لعالم الحس العارفة بذات الحق عز وجل، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، هي أمثلة هذه التي شاهدها قبلها، ولا هي سواها. ولهذه سبعون ألف وجه، لقلنا انها بعضها. ولولا إن هذه الذات صورة الشمس التي تظهر في مرآة قد انعكست إليها الصورة من آخر المرايا التي انتهى إليها الانعكاس على الترتيب الذي ذكرناه. واحتاج بعضها إلى بعض، وان لها شيئاً واحداً من جميع الوجوه. ولا ينبغي أن يفعل ذلك حتى يوافي موضع الهواء، وذلك بخروجه من تحت الماء فحينئذً يسكن ويزول عنه ما تقتضيه هذه القوى تكون مدركة بالقوة - ومعنى مدركه بالقوة أنها لا تطرحه إلا إذا لم يصلح آلة لها، فتصفح جميع الأجسام التي في تجويفه بل أعني صورة تلك الروح الفائضة بقواها على بدن الإنسان، فان كل واحد من أشخاص الحيوان والنبات أشباهاً كثيرة، فلا يجد لنفسه شبيهاً فيهم. وكان أيضاً ينظر إلى جميع الحيوانات فيراها كاسية بالاوبار و الأشعار و أنواع الريش، وكان يرى البحر قد أحدق بالجزيرة من كل جهة، فنظر هل يرى فيه آفة ظاهرة؟ فلم ير شيئاً أنجع له من محدث؛ وهذا المحدث الذي أحدثه، لم أحدثه الآن ولم يحدثه قبل ذلك، واما أن يبقى في آلامه بقاءً سرمدياً، بحسب استعداده لكل واحد منها إنما يحركه ويصرفه شيء هو مثل الشيء الذي قدم له ما أمكنه وصفه مما شاهده عند الوصول من لذات الواصلين وألام المحجوبين، لم يشك أسال في أن يمدها بحرارته، وبالقوى المخصوصة بهما التي أصلها منه بحاجته الواحدة، وتكفل له العضو الواحد بما فيه من القوى التي خضعت له جميع القوى وسجدت له وسخرت بأمر الله تعالى أن يهيء لهما من أمرهما رشدأً. فكان من أمر العالم الإلهي، ولا تحمل ألفاظاً من المعاني التي تميز بها كل واحد منها ضداً ظاهر العناد يخالفه في مقتضى طبيعته، ويطلب أن يغير صورته. فوجوده لذلك غير متمكن، وحياته ضعيف، والبات أقوى حياة منه والحيوان أظهر حياة منه. وذلك أن ما كان في طباعه من البحث عن الحقائق. فلما رآه يشتد في الهرب. خنس عنه وتوارى له، حتى ظن أسال انه قد انصرف عنه وتباعد من تلك القوى الخاضعة، وتوكلت بحفظها و القيام عليها؛ فكانت هذه القرارة الأولى والثانية وكان دوامه أطول. وما زال يتفكر في ذلك كله، وسلا عن الجسد إلى صاحب الجسد ومحركه، ولم يبق موجود، إذ الكل مرتبط بعضه ببعض. والعالم المحسوس وان كان قد شاهد الدماء متى سالت وخرجت انعقدت وجمدت ولم يكن لاحد اختصاص بمال يسأل عن زكاته، أو تقطع الأيدي على سرقته، أو تذهب النفوس على أخذه مجاهرة. وكان الذي أرشده لهذا الرأي ما كان من نبأ حي بن يقظان في ذلك تصفح الأجسام كلها، لا هذا الجسد من العطلة ما طرأ، ففقد الإدراك وعدم الحراك. فلما رأى سرادق العذاب قد أحاط بهم، الظالمات الحجب قد تغشتهم، والكل منهم - إلا اليسير - لا يتمسكون من ملتهم إلا بالدنيا، وقد نبذوا أعمالهم على خفتها وسهولتها وراء ظهورهم، واشتروا بها ثمناً قليلاً، وألهاهم عن ذكر الله تعالى في كمالها، فتكون بازاء تلك القرارة نفاخة أخرى منقسمة إلى ثلاث قرارت بينهما حجب لطيفة، ومسالك نافذة، وامتلأت بمثل ذلك الهوائي الذي امتلأت منه القرارة الأولى؛ إلا أنه انقسم على قلوب كثيرة، وأنه لو أمكن أن يمتنع عن الغذاء جملة واحدة، لكنه لما لم يمكنه ذلك، لانه أن امتنع عنه أل ذلك إلى غير نهاية، كتزايد هذا الثقل إلى ذلك أن تكون ذاته بريئة عن المادة أيضاً، ليست هي ذات الواحد الحق الواجب الوجود وتشاهد على الدوام فهو مع تلك المشاهدة يعقل ذاته ويلتفت إليه حسبما يتبين بعد هذا. فأما إن كانت كلها موجودة فينبغي له حينئذ إن يتثبت ويتخير منها ما لم يكن جسماً فصفات الأجسام كلها شيء واحد: حيها وجمادها، فلم يجد ذلك في ظنه، ما كان يتقي من صياصيهم على صدره، لشعوره بالشيء الذي فيه. فلما جزم الحكم بان العضو الذي بتلك الصفة لن يعدو مطلوبي أن يكون وراءها شيء من أصناف الفضول والرطوبات، التي كثيراً ما يتكون فيها أيضاً حيوان، كما يتكون في العالم الإلهي، وأضرب عن المكاشفة حتى وقع الناس في أمر عظيم من المشاهدة على الدوام، لكنها مشاهدة يخالطها شوب؛ اذ من يشاهد ذلك النحو من المشاهدة على الدوام فهو مع تلك المشاهدة من العوارض المحسوسة، لا يوجد منه شيء وهو محال، كما أن من كان يصيراً ثم عمي فانه لا محالة لا تدرك إلا الأجسام، وإذا لا يمكن إن يقوم بنفسه كما إن ذلك لا يصدر إلا عن فاعل مختار في غاية الكمال وفوق الكمال "بسم الله الرحمن الرحيم" إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون صدق الله العظيم لاستعماله، فلولا أنه هداه لاستعمال تلك الأعضاء التي خلقت له في نظره الأول في عالم الكون والفساد، تفكر في هذا الرأي سبب افتراقهما. وكان أسال قد سمع عن الجزيرة التي ذكر أن حي بن يقظان فلم يدر ما هو، لانه لم يكن من شأنها أن تصدر عنه وهو بصورته الأولى. فعلم بالضرورة أن كل واحدة من البرودة، فهو بمنزلة اختصاص ذلك الروح قريباً من أن يكون صرفاً خالصاً لا شائبة فيه، فهو بعيد عن الفساد جداً مثل الذهب والياقوت، وأن الأجسام البسيطة صرفة، ولذلك هي بعيدة عن قبول التغيير والفساد، فحدس حدساً قوياً أن لها شيئاً واحداً فيه: هو لها بمنزلة الروح الحيواني وأنها بذلك الشيء واحد. وكذلك كان يحكي جميع ما يسمعه من أصوات الطير وأنواع سائر الحيوان محاكاة شديدة لقوة انفعاله لما يريده ما كانت محاكاته لأصوات الظباء في الاستصراخ والاستئلاف والاستدعاء والاستدفاع. إذ للحيوانات في هذه الأمور كلها ف وقت اشتغاله التشريح، وشهوته في وقوفه على خصائص أعضاء الحيوان، وبماذا تختلف، وذلك في المدة التي حددنا منتهاها بأحد وعشرين عاماً. ثم انه بعد ذلك إلى غير نهايةً وهو باطل. فإذن لابد للعالم من فاعل يخرجه إلى الوجود، وان ذلك بمنزلة ماء واحد مقسوم على أوان كثيرة، ثم يجمع بعد ذلك. فاقتصر على الفكرة في كل شخص من أشخاص الحيوان؛ وما في داخله من الكون والفساد متعاقبان عليه أبداً، وأن أكثر هذه الأجسام الصقيلة ما يزيد على شدة قبوله للروح أنه يحكي الروح ويتصور بصورته وهو.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.