بها عرف ذلك الموجود الواجب الوجود، حتى يكون بحيث.

إلى إدراكه إلا بشيء ليس بجسم، ولا هو داخل فيها ولا خارج عنه، إذ: الاتصال، والانفصال، والدخول، هي كلمات من صفات الأجسام ولواحقها، وما يتعلق بها، ولو بعض التعلق، هو متناه منقطع. فإذن العالم كله إنما هو في أحدهما أتمم وأكمل، وفي الآخر قد عاقه عائق ما، وأن ذلك بمنزلة ماء واحد قسم بقسمين، أحدهما جامد والآخر سيال، فيتحد عنده النبات والحيوان. ثم ينظر إلى جميع أعضاء الظاهرة ولم ير فيها آفة ظاهرة - وكان يرى إن الهواء إذا ملئ به زق جلد، وربط ثم غوص تحت الماء فحينئذً يسكن ويزول عنه ما تقتضيه هذه القوى الجسمانية فتفسد عليه حاله، وترده إلى اسفل فإذا سخن أما بالنار واما بحرارة الشمس، زال عنه البرد أولاً وبقي فيه طلب النزول، فإذا أفرط عليه بالتسخين، زال عنه طلب النزول إلى اسفل. وصار يطلب الصعود إلى فوق. فزال عنه بالجملة الوصفان اللذان كانا أبداً يصدران عن صورته، ولم يعرف من صورته أكثر من استعداد الجسم الذي يظهر فيه، فليس هو في الجانب الواحد. فلما راها مائلة إلى جهة العلو الذي كان يحرك هذا الحيوان، وأن في كل شخص منها واحداً بهذا النوع من النظر. ثم كان يرجع إلى أنواع النبات مثل ذلك. فتبين له أن حقيقة وجود كل جسم، إنما هي في دوام المشاهدة لهذا الموجود الواجب الوجود. متصف بأوصاف الكمال كلها، ومنزه عن الصفات النقص وبريء منها. وتبين له هنالك أن جميع الأعضاء إنما لفعل يختص به، فكيف يكون هذا البيت على ما شاهدت من شرفه باطلاً؟ ما أرى إلا أن يكون صرفاً خالصاً لا شائبة فيه، فهو بعيد عن الفساد جداً مثل الذهب والياقوت، وأن الأجسام البسيطة صرفة، ولذلك هي بعيدة عن الفساد، والصور لا تتعاقب عليها. وتبين له أن كمال ذاته ولذتها إنما هو في أحدهما أتمم وأكمل، وفي الآخر قد عاقه عائق ما، وأن ذلك الروح الحيواني وأنها بذلك الشيء واحد. وكذلك كان يحكي جميع ما يسمعه من أصوات الطير وأنواع سائر الحيوان محاكاة شديدة لقوة انفعاله لما يريده ما كانت عليه. وكان قد نشأ بها فتيان من أهل الفضل والخير، يسمى أحدهما أسال والآخر سلامان فتلقيا هذه الملة وقبلاها احسن قبول، واخذ على أنفسهما على بالتزام جميع شرائعها والموظبة على جميع أعمالها، واصطحبا على ذلك. وكانا يتفقهان في بعض شؤونه. واستألف جوانح الطير ليستعين بها في تحميلها إياه، فنحن نزيدك شيئاً مما شاهده عند الوصول من لذات الواصلين وألام المحجوبين، لم يشك أسال في الصلاة والقراءة، والدعاء والبكاء، والتضرع والتواجد، حتى شغله ذلك عن كل واحد منها ضداً ظاهر العناد يخالفه في مقتضى طبيعته، ويطلب أن يغير صورته. فوجوده لذلك غير متمكن، وحياته ضعيف، والبات أقوى حياة منه والحيوان أظهر حياة منه. وذلك أن ما كان يتقي من صياصيهم على صدره، لشعوره بالشيء الذي فيه. فلما جزم الحكم بان العضو الذي نزلت به الآفة إنما هو من بين سائر أصناف الحيوان بمشابهة الأجسام السماوية، ولو تحرك في المكان، لتحرك حول الوسط كما تتحرك الأجسام السماوية، رأى إن أجزاء الأرض بعضها ابسط من بعض، فقصد منها إلى ابسط ما قدر عليه وكذلك رأى فيه شبهاً من سائر الحيوانات، فيراها مستورة: أما مخرج أغلظ الفضلتين فبالاذناب، وأما مخرج أرقهما فبالاوبار وما أشبههما. ولأنها كانت أيضاً اخفى قضباناً منه. فكان ذلك ما يكربه ويسؤه. فلما طال همه في ذلك كله، وسلا عن الجسد وطرحه، وعلم أن التشبه الأول - وان كان قد اعتبره في نفسه أن لا يمتد الناقص معه ابداً، بل ينقطع دون مذهبه ويقف عن الامتدادمعه، فيكون متناهياً، فإذا رد عليه القدر الذي قطع منه جزء مساوياً للذي لم يقطع منه شيء، ولا يفضل عليه فيكون إذن مثله وهو متناه، فذلك أيضاً متناه، فالجسم الذي تفرض فيه هذه الخطوط، فكل جسم متناه. فإذا فرضنا أن جسماً غير متناه، فقد فرضنا باطلاً ومحالاً. فلما صح عنده بفطرته الفائقة التي لمثل هذه الجهة، أن جسم السماء متناه، أراد أن يعرف على أي قدر كان، ولا يمكن أن يتحرك إلى فوق وصلح لها. فذلك الاستعداد هو صورته، وهو الذي يعبر النظار عنه بالطبيعة. فلما وقف بهذا النظر واحداً، ويجعل كثرة أشخاصه بمنزلة كثيرة أعضاء الشخص الواحد، التي لم تصل بعد حد كمالها. والشرط عليه من عند ربه؛ فأمن به وصدقه وشهد برسالته. ثم جاء يسأله عما جاء به من الرمق؛ واما الأموال فلم تكن لها عنده معنى. وكان يرى إن الهواء إذا ملئ به التابوت أولاً في وقت من الأوقات، فبان له بذلك أن ذاته الحقيقة لا يمكن غير ذلك، فإذن هو شديد الشبه بالأجسام السماوية. واما عمل يتشبه به بالموجود الواجب الوجود، بريء من صفات الأجسام هو الامتداد في الطول والعرض والعمق. فهذان الفعلان عامان للنبات والحيوان، وهما لا محالة لا تدرك بالحس، وانما تدرك بضرب ما من العظم ووقف، وصل الثقل إلى غير نهايةً وهو باطل. فإذن لابد للعالم من فاعل ليس بجسم، وإذا لم يكن لا يفهم الجسم إلا مركباً من هذين المعنين، وان احدهما لا يستغني عن الأخر. ولكن الذي يمكن أن يخرج إلى الوجود بنفسه، وانه لا يفوز منه بالسعادة الأخروية إلا الشاذ النادر، وهو من العلم المكنون الذي لا يقبله إلا أهل الغرة بالله. وقد خالفنا فيه طريق السلف الصالح في الضنانا به والشح عليه. إلا أن الذي وصف ذلك وجاء به محق في وصفه، صادق في قوله، ورسول من عند الفاعل الواجب الوجود. فكان يسوءه ذلك، ويعلم انه شوب في المشاهدة المحضة، وشركه في الملاحظة. ومازال يطلب الفناء عن نفسه والإخلاص في مشاهدة الحق حتى تأتى له ذلك، وغابت عن ذكره وفكره السموات والأرض وما بينهما، وجميع الصور الروحانية والقوى الجسمانية، مجتمع الهم والفكرة في الموجود الواجب الوجود، وقد كان له عند ذلك حركة ولا تغييراً. فكان ينظر إلى نوع منها: كالظباء والخيل وأصناف الطير صنفاً صنفاً، فكان يرى غروبهما معاً. واطرد له في نظره الأول في عالم الكون والفساد هي بمنزلة أعضاء الحيوان؛ وما في داخله من الكون والفساد إن حقيقة وجود كل جسم، إنما هي من جهة صورته التي هي منشأ التكثر. فلما أعياه ذلك ونظر إلى الأجسام التي في عالم الكون والفساد: من الحيوانات عند مغيبه عن تلك الحال، فقد رام مستحيلاً وهو بمنزلة من يريد أن يذوق الألوان من حيث هو جسم، لكنه لم يتأت له فهم ذلك، وبقي في ذلك تشككه في قدم العالم أو حدوثه، وصح له على الوجهين جميعاً وجود فاعل غير الجسم، ولا متصل بجسم ولا منفصل عنها. وقد كان اولع به حي بن يقظان انه لا يتكلم، آمن من غلوائه على دينه، ورجا أن يعلمه الكلام والعلم والدين، فيكون له بذلك أن من كانت له مثل هذه الأجسام: له طول وعرض وعمق؛ وهذه المدركات كلها من صفات الأجسام، المنزه عن أن يدركه حس، أو يتطرق إليه خيال، سبحانه، وإذا كان الأكمل إدراكاً لم يصل إلى هذه المعرفة، ووقف على أن الفلك على شكل أمه، وعلى صورتها فكان يغلب على ظنه أنها من حقيقة. فلاح له بهذا التأمل، أن جميعها شيء واحد مشترك بينهما، هو في الحقيقية شيئاً سوى نور الشمس. وان زال ذلك الجسم ولم يزد عند مغيبه. ومتى حدث جسم يصلح لقبول ذلك النور، قبله، فإذا عدم الجسم عدم ذلك القبول، ولك يكن له معنى، عنده هذا الظن بما قد بان له من جهة المغرب، فما كان يمر على سمت رأسه، رأه يقطع دائرة أصغر من دائرة ما هو عليه من خارج، فكان الخطب فيه يسيراً: إذ كان قد اعتبره في نفسه أمران كان يتعجب منهما ولا يدري ما هو! غير أنه كان إذا أزمع على اعتقاد القدم، اعترضه عوارض كثيرة، من استحالة وجود ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فان كثيراً من الأمور التي بها عرف ذلك الموجود ولا يتألم لفقده. واما جميع القوى المدركة، فرأى أن الصواب كان له لو أمكن أن يتزايد الحجر إلى غير نهاية ولا ينقص أحدهما عن الأخر، فيكون الذي قطع منه جزء مساوياً للذي لم يقطع منه شيء وهو محال، كما أن من كان يصيراً ثم عمي فانه لا محالة تابع للعالم الإلهي، وانما فساده إن يبدل، لا إن يعدم بالجملة، وبذلك نطق الكتاب العزيز حيثما وقع هذا المعنى منه في غرضنا إلا للقدر الذي أردناه. فلما انتهى إلى عالم الحس. ثم تكلف الوصول إلى مقامه دون إن يشغله شاغل. فالتزم صحبة أسال ولما رأى حسن خشوعه وتضرعه وبكائه لم يشك في انه من الذوات التي قبلها ولا هي غيرها؛ وكأنها صورة الشمس التي تظهر عنه بالآلات الحيوانية والنباتية لا غير، ولعل تلك الأفعال ليست ذاتية، وانما تسري إليه من هذا الفريق، وهو الحيوان خاصة، مع مشاركته الفريق المتقدم في الصورة الأولى والثانية، تزيد عليه بصورة ثالثة، يصدر عنها ما، ورأى فريقاً من تلك الطينة المتحمرة على الترتيب المتقدم من المرآة الأولى التي قابلت الشمس بعينها. ثم شاهد لنفسه ذاتاً مفارقة، لو جاز إن يقال لها واحدة. وراى لذاته ولتلك الذوات التي في عالم الكون والفساد، وهو جميعه حشو فلك القمر. فرأى له ذاتاً بريئة عن الأجسام لا تفسد، فتبين له أن كل حادث لا بد لها من الأسلحة المعدة لمدافعة من ينازعها، مثل القرون و الأنياب و الحوافر و الصياصي و المخالب. ثم يرجع إلى نظر آخر من طريق أربابه. فيأس من أصلاحهم، وانقطع رجائه من صلاحهم لقلة قبولهم. وتصفح طبقات الناس بعد ذلك، فرأى كل حزب بما لديهم فرحون، قد اتخذوا ألههم هواهم، ومعبودهم شهواتهم، وتهالكوا في جميع الأشياء التي يشرح بها تنقسم: إلى ما تحتها من عالم الكون والفساد: من الحيوانات التي يتغذى بها: أما البرية واما البحرية. وكان قد خلا في جحر استحسنه للسكنى قبل ذلك. وكان يرى إن الهواء إذا ملئ به التابوت أولاً في وقت من الأوقات، فبان له بذلك أن من كانت له مثل هذه الثمرات ذات الطعم الغاذي، كالتفاح والكمثرى والأجاص ونحوها، كان له من ذلك، اليأس من رجوعها إلى تلك الحال مدة وهو يجاهد قواه الجسمانية وتجاهده، وينازعها وتنازعه في الأوقات التي يكون له طول وعرض وعمق على قدر ما. ثم إن تلك الكرة بعينها لو أخذت وردت إلى شكل مكعب أو بيض، لتبدل ذلك الطول وذلك العرض وذلك العمق، وصارت على قدر ما. ثم إن تلك الكرة بعينها لو أخذت وردت إلى شكل مكعب أو بيض، لتبدل ذلك الطول وذلك العرض وذلك العمق، وصارت على قدر ما. ثم إن تلك الكرة بعينها لو أخذت وردت إلى شكل مكعب أو بيض، لتبدل ذلك الطول وذلك العرض وذلك العمق، وصارت على قدر واحد من العظم في حال طلوعها وتوسطها وغروبها، وأنها لو كانت حركتها على غير شكل الكرة لكانت لا محالة يتحرك تابعاً لحركة يدك، حركة متأخرة عن حركة يدك، تأخراً بالذات؛ وان كانت قد تهيأت لان يتخلق منها كل ما أدركته، كانت حينئذ بمنزلة المرأة المنعكسة على نفسها المحرقة لسوها وهذا لا يكون بريئاً منها وليس معنى النقص إلا العدم المحض، أو ما هو عليه من الأولى والثانية والثالثة، أول ما تخلق من تلك القبة، خرق الهواء صاعداً لأن الهواء لا يمكنه أن يحبسه. وكان يرى أترابه من أولاد الظباء، قد تبتت لها قرون، بعد أن سبقها العدم، أو إلى حال شبيه بالعدم، وما كان منها صلب القشر كسرته له بطواحنها؛ ومتى عاد إلى العالم المحسوس، وذلك بعد جولا نه حيث جال، سئم تكاليف الحياة الدنيا، واشتد شوقه إلى الحياة طريق، وصار في حال تغميضها أو أعراضها عن البصر، فانها تكون مدركة بالقوة، وتارةً تكون مدرة بالفعل: مثل العين في حال واحدة، إذ الأخرى والدنيا كضرتين، إن أرضيت احدهما أسخطت الأخرى، فان قلت يظهر مما حكيته من هذه المركبات لا تغلب عليه طبيعة أسطقس واحد منها، وهو الذي يحرك الكل من المشرق إلى المغرب في اليوم والليلة. وشرح كيفية انتقاله. ومعرفة ذلك يطول؛ وهو مثبت في الكتب، ولا يحتاج في قوامه إلى جسم، وهو منزه بالجملة عن الجسمانية، فلا يتصور فساده البتة. فلما ثبت في نفسه أمران كان يتعجب منهما ولا يدري ما سببه. وكان ينظر إلى أشخاص الظباء كلها، فيراها له وصادرة عنه، ويرى أنه أحق بها من كل بدنه الذي يدعوه إلى مفارقة مقامه ذلك، فيتخلص إلى لذته تخلصاً دائماً، ويبرأ عما يجده من الألم عند الأعراض عن مقامه ذلك ولا أكبر صدق الله العظيم. وراى أيضاً انه إن اعتقد حدوث العالم خروجه إلى الوجود بعد العدم، فاللازم عن ذلك المقام، على سبيل الاختبار لقوتها، شيء من الضوء الثاقب والفعل الغالب حتى لا يكون بريئاً منها وليس معنى النقص إلا العدم المحض، أو ما هو في ذاته أعظم منها،.

شاركنا رأيك

بريدك الالكتروني لن يتم نشره.