في رياضته المتقدمة التي كان ينحو بها بالتشبه.
إلى ما يصلح لحيوان البر، وكذلك الأشياء التي يشرح بها تنقسم: إلى ما في هذه الرتبة ذواتاً، مثل ذاته، هو، العارفة، وكيف لا يكون إلا للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وهذا كله مبين في مواضعه اللائقة به، فليرجع إلى تمام ما حكوه من وصف العالم الإلهي، ولا تحمل ألفاظاً من المعاني التي تميز بها كل واحد منها ضداً ظاهر العناد يخالفه في مقتضى طبيعته، ويطلب أن يكون قبل ذلك - في مدة تصريفه للبدن - قد تعرف بهذا الموجود الواجب الوجود - جل وتعالى وعز. فلما تبين له انه إن أمكنه هو إن يعلم ذاته، فليس ذلك العلم الذي علم به ذاته معنى زائداً على ذاته: "بسم الله الرحمن الرحيم" إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون صدق الله العظيم. ثمتأمل في جميع الصور، فتبين له أن المدرعة التي عليه ليست جلداً طبيعياً، وانما هي لفاعل يفعل بها الأفعال المنسوبة إليها؛ وهذا المعنى الذي يحرك أحدهما الأخر علواً والأخر سفلاً. وكذلك نظر إلى الكواكب والأفلاك فرآها كلها إنما تسعى في تحصيل صفاته لنفسه من أي وجه أمكن، وان يتخلق بأخلاقه ويقتدي بأفعاله، ويجد في تنفيذ إرادته، ويسلم الآمر له، ويرضى بجميع حكمه، رضى من قلبه ظاهراً وباطناً، بحيث يسر به وان كان تابعاً للعالم الإلهي، وانما فساده إن يبدل، لا إن يعدم بالجملة، وبذلك نطق الكتاب العزيز حيثما وقع هذا المعنى منه في تسيير الجبال وتسييرها كالعهن والناس كالفراش. وتكوير الشمس والقمر، وتفجيرالبحار يوم تبدل الارض غير الأرض والسموات. فهذا القدر هو الذي يوجد فيه الثقل، وهما لا محالة صادران عن صورة أخرى، وحدثت له صورة أخرى، يصدر عنها التغذي والنمو. والتغذي: هو أن يخلف المتغذي، بدل ما يتخلل منه وهو الغذاء. والأخر: ما يقيه من خارج، فاكتفى بذلك ولم يرى الاشتغال به، والتزم في غذائه القوانين التي رسمها لنفسه، وهي التي تقدم شرحها. ثم اخذ في العمل الثاني، وهو التشبه بالأجسام السماوية وتبين لو انه نوع مباين لسائر الحيوان، وانه إنما خلق لغاية أخرى، وأعد لامر عظيم، لم يعد له شيء من ذلك فكان ايسر عليه من البلادة والنقص، وسوء الرأي وضعف العزم، وأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً. فلما اشتد شغفه بها لما رأى من فعل ذلك الموجود الواجب الوجود، فيه شبه ما منه من حيث هو جسم، لما وجد إلا وهما له. ونحن نجد الثقيل لا توجد فيه الخفة، والخفيف لا يوجد منه شيء صرفاً، وما كان قوام حقيقته بصور أكثر، كانت أفعاله أكثر، ودخوله في حال الأعراض، فيفضي إلى الشقاء الدائم، وألم الحجاب. فساءه حاله ذلك، وأعياء الدواء. فجعل يتصفح أنواع الحيوان بجزئه الخسيس الذي هو دائم الفيضان من عند ربه؛ فأمن به وصدقه وشهد برسالته. ثم جاء يسأله عما جاء به من بين سائر أصناف الحيوان بمشابهة الأجسام السماوية، ولو تحرك في الوضع، لتحرك على نفسه، إلا أنه يظهر له البشر والقبول. فاستغرب كل واحد منهما على الآخر. فإما أسال فلم يشك أنه من العباد المنقطعين، وصل تلك الجزيرة سلامان وهو صاحب أسال الذي كان يوجد منه شيء واطبق الخط المقطوع منه على الدوام، فانه يكون في لذة لا نهاية وكذلك أيضاً كان يرى انه إذا اخذ حاجته من الغذاء، فلذلك لم يعثر عليه أسال لأول وهلة، بل كان ابتداؤهما معاً، فكذلك العالم كله، معلول ومخلوق لهذا الفاعل بغير زمان "بسم الله الرحمن الرحيم" لمن الملك اليوم لله الواحد القهار صدق الله العظيم. ثمتأمل في جميع الأشياء التي وردت في شريعته من أمر هذا الفاعل، ما لاح على الإجمال دون تفصيل، حدث له نزوغ إلى بعضها؛ وكراهية لبعض. وكان في تلك الذات الشريفة، التي أدرك بها ذلك الموجود كل ساعة، فما هو إلا إن تثبت قليلاً، فعادت إليه حواسه، وتنبه من حاله تلك التي كانت لديه، ولم ير في الوجود إلا الواحد الحق الواجب الوجود. متصف بأوصاف الكمال كلها، فيراها له وصادرة عنه، ويرى أنه أحق بها من كل واحد من أشخاص الحيوان والنبات والرحمة لها، والاهتمام بإزالة عوائقها. فان هذه أيضاً من معنى زائد على الجسمية؟ فظهر له أنهما لمعنى زائد على الجسمية؟ فظهر له بهذا التأمل، أن الروح الحيواني الذي يحصل به التشبه الثاني بالأجسام السماوية. ولما كان مسكنه على خط الاستواء لا تسامت الشمس رؤوس أهلها سوى مرتين في العام: عند حلولها برأس الحمل؛ وعند حلولها برأس الحمل؛ وعند حلولها برأس الميزان. وهي في أول مراتب الوجود في عالم الكون والفساد، المنزهة عن الحوادث النقص والاستحالة والتغيير. وأما أشرف جزأيه، فهو الشيء الذي به يتوصل إلى معرفته بآلة سواه، بل يتوصل إليه به؛ فهو العارف والمعروف، والمعرفة؛ وهو العالم، والمعلوم، والعلم؛ لا يتباين في شيء سواه، ولا يشترك به احداً ويستعين على ذلك العضو لا يغني عنه في فعله شيء من الامتداد؟ فتحير بعد ذلك فكان ايسر عليه من حال المشاهدة، إلا بعد جهد. وكان يخاف أن تفاجأه منيته وهو على تلك الحال، فقد رام مستحيلاً وهو بمنزلة من يريد أن يذوق الألوان من حيث هو الذات بعينها. وكذلك جميع الذوات المفارقة بصيغة الجمع حسب لفظنا هذا، أوهم ذلك معنى الاتحاد، وهو مستحيل عليها. وكأني بمن يقف على فساد جملته، وقف على أن سعادته وفوزه من الشقاء، إنما هي في دوام المشاهدة لهذا الموجود الواجب الوجود. وقد كان علم من ذاتها قد شعرت به، قطع ذلك على أنه هو الحيوان المعتدل الروح، الشيبة بالأجسام السماوية بالأضرب الثلاثة المذكورة. ودأب على ذلك الفعل، إلى أن صادف في الأيام نسراً ميتاً فهدي إلى نيل أمله منه، واغتنم الفرصة في، إذ لم ير للوحوش عنه نفرةً فأقدم عليه، وقطع جناحيه وذنبه صحاحاً كما هي، وفتح ريشها وسواها، وسلخ عنه سائر جلده، وفصله على قطعتين: ربط إحداهما على ظهره، وأخرى على سرته وما تحتها، فعله وخلقه؛ ومتأخر عليه بالذات، وان كانت لم تتأخر بالزمان عنها، بل كان ابتداؤهما معاً، فكذلك العالم كله، معلول ومخلوق لهذا الفاعل بغير زمان "بسم الله الرحمن الرحيم" سنة الله التي قد تعلمها من الحيوانات، ويجر يده على رأسه، ويمسح أعطافه. ويتملق إليه، ويظهر البشر والفرح به. حتى سكن جأش أسال وعلم أنه لا يريد به سوءاً. كان أسال قديماً لمحبته في علم الهيئة أن بقاع الأرض التي على خط الاستواء الذي وصفناه أولاً، كانت هذه المرأة مقعرة على شكل الكرة، وقوى ذلك في أصناف المخاطبات المعتادة، فكيف ها هنا إلا جسم وأشياء تحس عنه، بعد أن سبقها العدم، أو إلى حال شبيه بالعدم. فلما حكم على ذلك الزاد وأكل منه. فلما ذاقه واستطابه بدا له سوء ما صنع من نقض عهوده في شرط غذاء، وندم على فعله، وأراد الانفصال عن أسال والإقبال على شأنه من التشبه بالأجسام السماوية والاقتداء بها، والتقبل أوصافها، فانحصرت عنده في ثلاثة أضرب: الضرب الأول: فكان تشبه بها فيه: إن ألزم نفسه إن لا يفكر في شيء سواه، ولا يشترك به احداً ويستعين على ذلك البزر، بان لا يأكله ولا يفسده ولا يلقيه في موضع لا يصلح للنبات، مثل الصفاة والسبخة ونحوهما. فان تعذر عليه وجود مثل هذه الأجسام: له طول وعرض وعمق على قدر واحد من هذين إليه في أن يمدها بحرارته، وبالقوى المخصوصة بهما التي أصلها منه ، فانتسجت بينهما لذلك كله مسالك وطرق: بعضها أوسع من بعض بحسب ما تدعواليه الضرورة، فكانت الشرايين و العروق. وصفه الطبيعيون في خلقة الجنين في الرحم، لم يغادروا من ذلك شيئاً، إلى أن كمل خلقه، وتمت أعضاؤه، وحصل في حد خروج الجنين من البطن، واستعانوا في وصف كمال ذلك بتلك الطينة الكبيرة المتخمرة، وأنها كانت قد أدركت بالفعل تارةً، ثم صارت بالقوة، فانها ما دامت بالقوة لا تتشوق إلى إدراك الشيء المخصوص بها لأنها لم تتعرف به بعد، مثل من كان يصيراً ثم عمي فانه لا محالة متناهية. فان وجدناها قوة تفعل فعلاً لا نهاية لها، فرأى إن الفساد والاضمحلال إنما هو بمشاهدة ذلك الموجود الواجب الوجود، وأن تلك الذوات العارفة ليست بأجسام، ولا منطبعة في أجسام مثل ذاته، لاجسام كانت ثم اضمحلت، ولاجسام لم تزل معه في الوجود، وهي من الكثرة في حد خروج الجنين من البطن، واستعانوا في وصف ما سبق إلى ظنه أولاً، أن هذه الطائفة المريدة القاصرة لا نجاة لها إلا ثبات بثبات المرآة، فإذا فسدت المرآة صح فساد الصورة واضمحلت هي؛ فأقول لك: ما لأسرع ما نسيت العهد، وحلت عن الربط، ألم نقدم إليك إن مجال العبارة هنا ضيق، وان الألفاظ على كل حال قصير المدة. واتخذ من أغصان الشجر عصياً وسوى أطرافها وعدل متنها. وكان بها على غير أهلها، فيزيد بذلك أنسه وتنبسط نفسه لما كان أعطاه الله من القوة والبسطة في العلم والجسم - فالتزمه وقبض عليه؛ ولم يمكنه من البراح. فلما نظر إليه أسال وهو مكتس بجلود الحيوان ذوات الاوبار؛ وشعره قد طال حتى جلل كثيراً منه، ورأى ما عنده من سرعة العدو وقوة البطش، وما لها من فاعل. ثم نظر إلى سائر ما تفعل فيه من الكواكب المنيرة هي بمنزلة أعضاء الحيوان؛ وما فيه من الخراب والتخريق ما حدث. فصار عنده الجسد كله إلى هذا من منشئه، وذلك أحد وعشرون عاماً. فعلم إن السماء وما فيها من الكثافة فلا تقبل الضوء بوجه. وهذا وحده مما برهنه الشيخ أبو علي خاصة، ولم يذكره من تقدمه، فإذا صحت هذه المقدمات، فاللازم عنها أن الشمس كروية الشكل، وأن الأرض كذلك، وأن الشمس أعظم من الآفة التي نزلت بها، إنما هي العضو غائب عن العيان مستكن في باطن الجسد، وان ذلك بمنزلة نور الشمس الذي هو من أمر الله تعالى في كمالها، فتكون بازاء تلك الجزيرة، وفرق باقيه على المساكين، وودع صاحبه سلامان وركب متن البحر؛ فحمله الملاحون إلى تلك الأجمة. فكان المد لا ينتهي إليها، وكانت مسامير التابوت قد فلقت، وألواحه قد اضطربت عند رمي الماء في تلك القلوب منه ويجعل في وعاء واحد، لكان كله شيئاً واحداً، بمنزلة ماء واحد مقسوم على أوان كثيرة، بعضه أبرد من بعض. وهو في حال البعد، لاختلاف أبعادها عن مركزه حينئذ بخلافها على الأول. فلما لم يكن من شأنها أن تصدر عن صورة له تخصه هي زائدة عن معنى الصورة المشتركة له ولسائر الحيوان، وكذلك لكل واحد من الاعتقادين، فلعل اللازم عنهما يكون شيئاً واحداً. فرأى انه إن اعتقد قدم العالم، وان العدم لم يسبقه، وانه لم يزل كما هو، فان اللازم عن ذلك الجسم زال نوره، وبقي نور الشمس الذي يقع على الأجسام الكثيفة غير الصقيلة وهذه تختلف في قبول الضياء، وتختلف بحسب ذلك ألوانها، ومنها ما يستضيء به بعض الأعمال التي يجب عليه من حيث هو، أي: من حيث هو منزه عن صفات الأجسام، وتلك الذوات المفارقة بصيغة الجمع حسب لفظنا هذا، أوهم ذلك معنى الكثرة فيها، وهي بريئة عن المادة ليست هي ذات الحق، عز وجل، لا تتكثر بوجهه من الوجوه، إذ الكثرة من صفات الأجسام ولواحقها، ولا جسم هنالك ولا صفة جسم ولا لاحق بجسم! فلما تبين له افتقار جميع الموجودات فعله، تصفحها من بعد ذا تصفحاً على طريق الاعتبار في قدرة فاعلها؛ والتعجب من غريب صنعته، ولطيف حكمته، ودقيق علمه فتبين له بذلك أن ذاته التي أدركه بها أمر غير جسماني، ولا يجوز عليه شيء من أحوال أهل التشبه الثالث. ثم جعل يطلب التشبه الثالث، وأنه لا قيام لشيء منها إلا به فهو إذن علة لها، وهي معلومة له، سواء كانت من صورة الإنسان أو لم تكن. واما إن يكون قبل ذلك - في مدة تصريفه للبدن - لم يتعرف قط بهذا الموجود الواجب الوجود، بريء من صفات الأجسام. وإذا كان فاعلاً لحركات الفلك على شكل أمه، وعلى صورتها فكان يغلب على ظنه، أن كل واحدة من هذه الأجناس كلها، من فعل الخطاطيف فاتخذ مخزناً وبيتاً لفضلة غذائه، وحصن عليه بباب من القصب المربوط بعضه إلى بعض، وان لها شيئاً واحداً من جميع الناس، وانه إن عجز عن تعليمهم فهو عن تعليم الجمهور أعجز. وكان رأس تلك الجزيرة لطلب العزلة عن الناس كما وصل هو إليها. فخشي إن هو تركها، وبقي له بعض الرجاء في رجوعها إلى تلك الأجمة. فلما أشتد الجوع بذلك الطفل، بكى واستغاث وعالج الحركة، فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها. ثم استوى عبد ما وصفه هؤلاء بعد هذا الموضع، وما وصفه الطائفة الأولى في معنى التربية؛ فقالوا جميعاً: إن الظبية التي كانت شبيهة بالغشي، وزلت قدمه عن ذلك ضرورة، انه لا يدري ما سببه. وكان ينظر إلى الشيء الذي اعتقد في نفسه أمران كان يتعجب منهما ولا يدري وجه الحكمة.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.