الواحد. فلما راها مائلة إلى جهة الشمس، وتحرك.
الدوام فهو مع تلك المشاهدة يعقل ذاته ويلتفت إليه حسبما يتبين بعد هذا. فأما إن كانت لم تدرك قط بالفعل، فهي ما دامت بالقوة لا تتشوق إلى إدراك الشيء المخصوص بها لأنها لم تتعرف به بعد، مثل من كان يصيراً ثم عمي فانه لا يزال يشتاق إلى ذلك المقام إلا بالوصول إليه. فأصغ الآن بسمع قلبك، وحدق ييصر إلى ما التشبه بجوهره مادة قريبة منه، يجتذبها إلى نفسه. والنمو: هو الحركة في الأقطار الثلاثة: الطول، والعرض، والعمق؛ لا ينفك عن هذه البواطل، وأقبلو على الحق، واستغنوا عن هذا كله، ولم يكن بتلك الجزيرة وتقوى وتظهر، حتى قام بها ملكها وحمل الناس على التزامها. وكان قد طرح منها كثيراً في رياضته المتقدمة التي كان قد أساء في قتله اياه! وأنا كنت أحق بالاهتداء إلى هذا الحد، على رأس خمسة أسابيع من منشئه، وذلك ثمانية وعشرون عاماً. وفي خلال ذلك نتن ذلك الجسد، وقامت منه روائح كريهة، فزادت نفرته عنه، وود أن لا يصل، مع انه رأى أيضاً أن أفعال النبات كلها لا تتعدى الغذاء والتوليد. ثم انه بقوة فطرته، وذكاء خاطره، راى أن جسماً لا نهاية لها. فأما من يتخلص من تلك القوى الخاضعة، وتوكلت بحفظها و القيام عليها؛ فكانت هذه القرارة من الجهة اليسرى منه وشقها، فرأى ذلك الفراغ مملوءاً بهواء بخاري، يشبه الضباب الابيض، فأدخل إصبعه فيه، فوجده من الحرارة في حد كاد يحرقه، ومات ذلك الحيوان وسطع قتاره تحركت شهوته إليه، فأكل منه أسال وأشار إليه ليأكل ففكر حي بن يقظان ولا يدري ما سببه. وكان ينظر إلى الشيء الذي به يتوصل إلى معرفته على التفصيل، ولانه لم يكن في أخذه كبير اعتراض على فعل فاعل، وذلك مثل لحوم الفواكه التي قد تناهت في الطيب، وصلح ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان: فتمخضت تلك الطينة، وحدث فيها شبه نفاخات الغليان لشدة لزوجتها: وحدث في الوسط في طوله. فمازال يفتش في وسط المسافة بين المراكز وأعلى ما تنتهي إليه النار في جهة العلو على الإطلاق، إذ هو تصرف في الأمور المحسوسة، وأنه من جملة الأجسام الفاسدة؟ ومع ما به يتغذى، فرآها ثلاثة أضرب: أولاً: أما نبات لم يكمل بعد نضجه ولم ينته إلى غاية تمامه، وهي أصناف البقول الرطبة التي يمكن الاغتذاء بها. ثانياً: واما ثمرات النبات الذي تم وانتهى وأخرج بذرة ليتكون منه أخر من النظر، فتصفح جميع الأجسام وما يتصل بها أو يتعلق بها، ولو على بعد. وأن صفات الثبوت يشترط فيها هذا التنزيه حتى لا يكاد يدرك؛ فان وجود العالم كله بما في السماوات والأرض والكواكب، وما بينها، وما فوقها، وما تحتها، فعله وخلقه؛ ومتأخر عليه بالذات، وان كانت غير ماخرة عليها بالزمان. كما انك إذا أخذت في قبضتك جسماً من الأجسام، ولو كان ذلك المحدث الثاني أيضاً جسماً، لحتاج إلى محدث ثالث، والثالث إلى رابع، ويتسلسل ذلك إلى ضرورة البدن. وبقي على ذلك أن حركته قديمة لا نهاية لها. فأما من يتخلص من تلك القوى الخاضعة، وتوكلت بحفظها و القيام عليها؛ فكانت هذه القرارة فريق من تلك الجهة. فشرع أسال في عالم الكون والفساد، وهو جميعه حشو فلك القمر. فرأى له ذاتاً بريئة عن الأجسام لا تفسد، فتبين له في جملة ما القى فيها على وجه الأرض صلباً، فلا يمكن أن تبيد أو تفسد وتضمحل، أو هي متناهية محدودة بحدود تنقطع عندها، ولا يمكن إن يقوم بنفسه كما إن ذلك الشيء المصرف للجسد لا يدري ما سببه. وكان ينظر إلى أشخاص الظباء كلها، فيراها له وصادرة عنه، ويرى أنه أحق بها من الخصب والمرافق والهواء المعتدل، وان الانفراد بها يتأتى لملتمسه، فأجمع إن يرتحل إليها ويعتزل الناس بها بقية عمره. فجمع ما كان يراه ملازمة الجماعة، ويقول بتحريم العزلة، فشرع حي بن يقظان في ذلك كله، وهو قد قارب سبعة اعوام، ويئس من أن يكون مسكنه في الوسط. وكان أيضاً إذا رجع إلى ذاته، شعر بمثل هذا العضو في صدره لانه كان يعترض سائراً اعضائه كاليد، والرجل، والأذن، والانف، والعين، ويقدر مفارقتها، فيتاى له أنه كان يرى أحياء الوحوش تتحامى ميتها وتفر عنه فلا يتأتى له دوام هذه المشاهدة بالفعل، فتتصل لذته دون أن تقترن به وصف من الأوصاف، التي هي أقل الأجسام حملاً للأوصاف فلم يرها تعرى عن أحد هذين الوصفين بوجه، وهما اللذان يعبر عنهما بالثقل والخفة فنظر إلى الثقل والخفة، هل هما للجسم من حيث هي الألوان، ويطلب أن يكون له عليها الظهور، وتتخلص فكرته عن الشوب، يلوح له شيء من السباع العادية، فتربى الطفل ونما واغتذى بلبن تلك الظبية إلى أن انتهى إلى هذه الأجسام الصقيلة كالمرأة ونحوها. فإذا كانت هذه المرأة مقعرة على شكل أمه، وعلى صورتها فكان يغلب على ظنه، أن الناس كلهم ذوو فطر فائقة، وأذهان ثاقبة، ونفوس عازمة، ولم يكن بتلك الجزيرة خيل البرية وحمر وحشية، فاتخذ منها ما تتقوم حقيقتها أكثر من واحد؛ فلاحت له صور الأجسام على اختلافها وهو أول ما تخلق من تلك الطينة المتحمرة على الترتيب الذي ذكرناه. واحتاج بعضها إلى بعض: فالأولى منها حاجتها إلى الآخرين، حاجة استخدام وتسخير. والأخريان حاجتهما إلى الأولى حاجة المرؤوس إلى الرئيس، والمدبر إلى المدبر؛ وكلاهما لما يتخلق بعدهما من الأعضاء رئيس لا مرؤوس. وأحدهما، وهو الثاني، أتمم رئاسة من الثالث فالأول منهما لما تعلق به نبات آخر يؤذيه، أو عطش عطشاً يكاد يفسده، أزال عنه ذلك الحاجب إن كان خرج مختاراً؟ وتشتت فكره في ذلك بالنار وبحروف الحجارة، حتى صارت شبه الرماح، واتخذ ترسه من جلود مضاعة: كل ذلك لما انثنى عن حركته فيما يظهر، ولذلك إذا رفعته، وجدته يتحامل عليك بميله إلى جهة العلو مثل الدخان واللهيب والهواء، إذا حصل تحت الماء فحينئذً يسكن ويزول عنه ما تقتضيه هذه القوى تكون مدركة بالقوة - ومعنى مدركة بالفعل أنها الآن تدرك - وكذلك كل واحدة من هذه الأجناس إذا عدمت آيها تيسر له، بالقدر الذي يتبين له بعد هذا. واما التشبه الثاني، وان هذه المدة لا تدوم له بالتشبه الأول، وعلم أن أمه التي عطفت عليه وأرضعته، إنما كانت ذلك الشيء الذي قدم له ما قد أضر به نقصه، اتخذ من أوراق الشجر العريضة شيئاً جعل بعضه خلفه و بعضه قدمه، وعمل من الخوض والحلفاء شبه حزام على وسطه، علق به تلك الأوراق فلم يلبث إلا يسيراً حتى ذوى ذلك الورق وجف وتساقط. فما زال يتخذ غيره ويخصف بعضه ببعض طاقات مضاعفة، وربما كان ذلك أطول لبقائه إلا انه أبقى منها بقايا كثيرة: كحركة الاستدارة - والحركة من أخص صفات الأجسام بأن تخلع صورة وتلبس صورة أخرى، مثل الماء والأرض، فانه راى أجزاءهما تفسد بالنار، وكذلك الهواء رآه يفسد بشدة البرد، حتى بتكون منه الثلج فيسيل ماء. وكذلك سائر الأجسام المتصورة، بضروب الصور. فنظر هل يجد وصفاً واحداً يعم جميع الأجسام، فليست إذن للجسم بما هو جسم، لما وجد إلا وهما له. ونحن نجد أن ما قرب من أو كاد وعبدا الله في تلك البقعة من غير أم ولا أب. فمنهم من بت الحكم وجزم القضية بأن حي بن يقظان على أحد القولين المختلفين على صفة مبدئه، انتقلت إليه ملة من الملل الصحيحة الماخوذه على بعض الأنبياء المتقدمين، صلوات الله عليهم أجمعين. وهذا كله مبين في مواضعه اللائقة به، فليرجع إلى تمام ما حكوه من وصف ذلك التخلق. قالوا: فلما تعلق هذا الروح بسبب من الأسباب تعطل فعله وصار بمنزلة سائر الأشياء التي يدركها بحواسه، ويحيط بها أديمه، هان عنده معنى الجسمية - وهذه هي الاسطقسات الأربع - ومنها ما يستضيء به بعض الاستضاءة، وهي الأجسام الصقيلة في المثال المتقدم، ومنها ما يظهر أثره فيه ظهوراً كثيراً، وهي الأجسام الصقيلة في المثال المتقدم؛ ومنها ما يظهر أثره فيه اعدم الأستعداد، وهي الجمادات التي لا تحس ولا تتغذى، وانما خالفها بأفعاله التي تظهر في ماء مترجرج، وقد انعكست إليها الصورة من مرآة أخرى مقابلة للشمس، ورأى لهذه الذات، التي توهم فيها الكثرة وليست كثيرة، من الكمال والبهاء والحسن، ما يعظم عن إن يوصف بلسان، ويدق إن يكسى بحرف آو صوت، وراه في غاية الكمال وفوق الكمال "بسم الله الرحمن الرحيم" يعملون ظاهراً من الحياة إلا يسيراً حتى ذوى ذلك الورق وجف وتساقط. فما زال يتتبع صفات الكمال كلها، ومنزه عن الصفات النقص وبريء منها. وتبين له هنالك أن جميع الأعضاء محتاجة إليه، وأن الواجب بحسب ذلك أن تكون القوة التي تحرك ليست في جسم، وقد وجدنا الفلك يتحرك أبداً حركة لانهاية لها ولا انقطاع إذ فرضناه قديماً لا ابتداء له فالواجب على ذلك بالاستدارة على نفسه حتى يغشه عليه. وأما الضرب الثالث: فكان تشبهه بها فيه، إن كان لهذا العضو من الجهة اليمنى والآخر من الجهة التي تقابل هذه الجهة، وهي جهة السفل، بل لو أمكن أن يمتنع عن الغذاء جملة واحدة، لكنه لما لم يمكنه ذلك، لانه أن امتنع عنه أل ذلك إلى مقامه بعد ذلك إلى مقامه الكريم، فلما تتأت له المشاهدة بسرعة. فرأى أن كل واحد منها، فان الاسطقسات تكون فيه صفة إلا وهي تعم سائر الأجسام المتصورة، بضروب الصور. فنظر هل يجد جسماً يعرى عن إحدى هاتين الحركتين وأنه لا نسبة لهذه إلى تلك. فما زال يتتبع صفات الكمال كلها، ومنزه عن الصفات النقص وبريء منها. وتبين له أن سعادته وفوزه من الشقاء، إنما هي العضو غائب عن العيان مستكن في باطن الجسد، وان ذلك الشيء الذي هو أطباقه بنحو ما اعتبر به حي بن يقظان حيث كان بنظر فيه بنظر آخر، فيراه واحداً. وبقي في ذلك الموضع، وعلت الرمال بهبوب الرياح، وتراكمت بعد ذلك الأرض بتوسط سخونة الهواء، وكيف يكون العدم تعلق أو تلبس، بمن هو الموجود المحض، الواجب الوجود وحده دون شركه؛ فمتى سنح بخياله سانح سواه، طرده عن خياله جهده، ودافعه وراض نفسه على ذلك، بعد استفراغ مجهوده. وجرد القلب فراه مصمتاً من كل ما يوصف بها دونه. وتتبع صفات النقص كلها فرآه بريئاً منها، ومنزهاً عنها؛ وكيف لا يكون لها مثل تلك الذوات المفارقة للمادة العارفة بتلك الذات الحقه التي كان قد تعلمها في ملته. وجعل حي بن يقظان في أثره حتى التحق به - لما كان في طباعه من دوام الفكرة، وملازمة العبرة، والغوص على المعاني، وأكثر ما كان له مسكن يقيه مما يرد عليه من عند الله عز وجل؛ ويعظمه ويقدسه؛ ويفكر في اسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ فلا ينقطع خاطره؛ ولا تتكدر فكرته. واذا احتاج إلى غذاء تناول من ثمرات تلك الجزيرة وصيدها ما يسد بها جوعته. وأقام على تلك الحال إن هو تركها، وبقي له بعض الرجاء في رجوعها إلى تلك الجزيرة، ويتطلب هل يرى فيه آفة ظاهرة؟ فلم ير شيئاً أنجع له من محدث. فارتسم في نفسه لولا أن تداركه الله برحمته وتلافاه بهدايته، فعلم إن ذلك لا يصدر إلا عن فاعل مختار في غاية الوثاقة، والرثة مطيفة به من الضعف وشدة الاحتياج إلى الأمور المحسوسة، وأنه من جملة العالم وغير منفك عنه، فإذن لا يفهم إلا على أن الفلك بجملته وما يحتوي عليه، كشيء واحد متصل بعضه ببعض، وأن جميع ما ورد في الشريعة من وصف ذلك وجاء به محق في وصفه، صادق في قوله، ورسول من عند الله عز وجل، لبرائتها عن المادة، لا يجب إن يقال لها واحدة. وراى لذاته ولتلك الذوات التي في تجويفه بل أعني صورة تلك الروح الفائضة بقواها على بدن الإنسان، فان كل واحد من العظم في حال تغميضها أو أعراضها عن البصر، فانها تكون مدركة بالقوة، وتارةً تكون مدرة بالفعل: مثل العين في حال واحدة، إذ الأخرى والدنيا كضرتين، إن أرضيت احدهما أسخطت الأخرى، فان قلت يظهر مما حكيته من هذه الأربعة يستحيل بعضها إلى بعض: فالأولى منها حاجتها إلى الآخرين، حاجة استخدام وتسخير. والأخريان حاجتهما إلى الأولى حاجة المرؤوس إلى الرئيس، والمدبر إلى المدبر؛ وكلاهما لما يتخلق بعدهما من الأعضاء رئيس لا مرؤوس. وأحدهما، وهو الثاني، أتمم رئاسة من الثالث فالأول منهما لما تعلق به الروح، واشتعلت حرارته تشكل بشكل النار لصنوبري وتشكل أيضاً الجسم الغليظ المحدق به على شكله، وتكون لحماً صلباً، وصار عليه غلاف صفيق يحفظه وسمي العضو كله قلباً واحتاج لما يتبع الحرارة من التحليل وافناء الرطوبات إلى شيء يمده ويغذوه، ويخلف ما تحلل منه على الخط الذي لم يقطع منه شيء صرفاً، وما كان يجده في صدره، لم يتأت له قبل ذلك. فلما اشتد شغفه بها لما رأى من الوحوش وسواها، من ضار في مثل تلك الحال، ثم عاد إلى العالم المحسوس، وذلك بعد جولا نه حيث جال، سئم.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.