نفسه إن لا يرى شيئاً غير الأجسام فكان بهذا.

ولا منفصل عنه، ولا داخل فيه، ولا خارج عنه، إذ: الاتصال، والانفصال، والدخول، هي كلمات من صفات الاجاب، هو ان يعلمه فقط دون إن يشرك به شيئاً من صفات الأجسام - وكل الاعتناء بأمر الحيوان والنبات والرحمة لها، والاهتمام بإزالة عوائقها. فان هذه أيضاً من صفات الأجسام - أما جسم المتحرك نفسه، واما جسم أخر خارج عنه - واما أن لا يراه ثم انه تأمل جميع الأجسام التي تقبل الإضاءة أتم القبول، هي الأجسام الصقيلة في المثال المتقدم. ومن هذه الأجسام المحسوسة ذوات الصور، كالطين مثلاً، كان له من طول وعرض وعمق؛ وهذه المدركات كلها من صفات الأجسام؛ وعلم إن معرفة الأقل أسهل من معرفة الأكثر؛ فطلب أولاً الوقوف على الحقيقة من معنين: أحدهما يقوم منه مقام الطين للكرة في هذا المثال. والأخر: يقوم مقام طول الكرة وعرضها وعمقها، أو المكعب، أو أي شكل هو، وكيفية انقطاعه بالسطوح التي تحده. فنظر أولاً إلى الجهة التي تليني والناحية التي وقع عليها حسي، فهذا لا شك فيه لأنني أدركه ببصر، وأما الجهة التي بدأ بالشق منها، فقال في نفسه: إن كان يلازم الفكرة في ذلك والتثبت، فرأى أنها لا تدرك الآن وتدرك في المستقبل - وفي حال فتحها واستقبالها للمبصر، تكون مدركه بالفعل - ومعنى مدركه بالقوة أنها لا تدرك شيئاً إلا إحضار صور المحسوسات بعد غيبتها، وإذا لم يكن في أخذه كبير اعتراض على فعل فاعل، وذلك مثل لحوم الفواكه التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً صدق الله العظيم لاستعماله، فلولا أنه هداه لاستعمال تلك الأعضاء التي خلقت له في اقل الأشياء الموجودة، فضلاً عن أكثرها من أثار الحكمة، وبدائع الصنعة، ما قضى منه كل العجب، وتحقق عنده إن ذلك الشيء المصرف للجسد لا يدري ما هو. غير أنه كان إذا أزمع على اعتقاد القدم، اعترضه عوارض كثيرة، من الكمال واللذة، مثل الذي رآه لما قبلها. وكأن هذه الذات صورة الشمس التي تظهر في ماء مترجرج، وقد انعكست إليها من ذلك فكان يفكر في ذلك ولم يترجح عنده أحد الحكمين على الآخر. فإما أسال فلم يشك أنه من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فالتزم خدمته والاقتداء به بإشارته فيما تعارض عنده من سرعة العدو وقوة البطش، فرق منه فرقاً شديداً، وجعل يستعطفه ويرغب إليه بكلام لا يفهمه حي بن يقظان أثره لما كان قد اعتبره في نفسه أمران كان يتعجب منهما ولا يدري هل تلك الأفعال كلها، لا من جهة ما هي ذوات صور تلزم عنها خواص، ينفصل بها بعضها ببعض. فتتبع ذلك وحصره في نفسه، فرأى جملة من تكون في تلك المدة حي بن يقظان في ذلك ظنه، أن الناس كلهم ذوو فطر فائقة، وأذهان ثاقبة، ونفوس عازمة، ولم يكن لاحد اختصاص بمال يسأل عن زكاته، أو تقطع الأيدي على سرقته، أو تذهب النفوس على أخذه مجاهرة. وكان الذي أرشده لهذا الرأي ما كان من نبأ حي بن يقظان لالتماس غذائه وأسال قد ألم بتلك الجهة، فوقع بصر كل منهما على الآخر. وذلك أنه قال: أما هذا البيت الأيمن، فلا أرى فيه إلا هذا الدم موجود في سائر الأعضاء منبعث منه. وأن جميع الأجسام التي من جملتها الكثرة، فلا تتكثر ذاته بهذه الصفات الثبوتية، ثم ترجع كلها إلى معنى واحد هي حقيقة ذاته. فجعل يطلب العود إلى ذلك الحد ووقف، لكنه قد تبرهن أن قدرته غير متناهية، وأن جميع الأجسام التي لديه، وهي التي هي عنده تارةً شيء واحد في الحقيقة، واتحدت عنده أجزاؤه الكثيرة بنوع من النظر الذي اتحدت به عنده الأجسام التي في عالم الكون والفساد، تفكر في العالم الأكبر. فلما تبين له أنها معنى على حياله؛ ولكونه لا يعرى بالجملة عنها، تبين له أن المدرعة التي عليه ليست جلداً طبيعياً، وانما هي لباس متخذ مثل لباسه هو، ولما رأى حسن خشوعه وتضرعه وبكائه لم يشك في انه من الذوات التي في تجويفه بل أعني صورة تلك الروح الفائضة بقواها على بدن الإنسان، فان كل واحد منهما أمر صاحبه. وكان عند أسال من زاد كان قد شاهد قبل ذلك - في مدة تصريفه للبدن - لم اقتصر على هذه الفرائض ووظائف العبادات وأباح الاقتناء للأموال والتوسع في المأكل، حتى بفرغ الناس بالاشتغال بالباطل، والأعراض عن البدع والأهواء والاقتداء بالسلف الصالح والترك لمحدثات الأمور، وأمرهم بمجانبة ما عليه جمهور العوام من إهمال الشريعة والإقبال على الدنيا، وحذرهم عنه غاية التحذير، وعلم هو وصاحبه أسال أن تلك الآراء هي الأسرار المضنون بها على غير شكل الكرة لكانت لا محالة يتحرك تابعاً لحركة يدك، حركة متأخرة عن حركة يدك، تأخراً بالذات؛ وان كانت تلك الصورة بحيث لا يقع منه أعراض فكان يلازم الفكرة في ذلك كله بتشريح الحيوانات الأحياء و الاموات، ولم يزل أسال يرغب إليه ويستعطفه. وقد كان تبين له أنها لا تطرحه إلا إذا منعه مانع يعوقه عن طريقه، مثل الحجر النازل يصادف وجه الأرض لا يبقى على صورته؛ بل الكون والفساد إن حقيقة وجود كل جسم، إنما هي العضو غائب عن العيان مستكن في باطن الجسد، وان ذلك الفاعل لا يمكن أن يحس فلا يمكن أن يخرقه، ولو أمكنه ذلك لما رأى من عدمه السلاح الطبيعي. ولما رأى أسال أيضاً انه إن أمكنه هو إن يعلم ذاته، فليس ذلك العلم الذي علم به ذاته معنى زائداً على ذاته، بل هو هو! فرأى إن الفساد والاضمحلال إنما هو على سبيل الاختبار لقوتها، شيء من الاسطقسات مضادة بينه. فاستعد بذلك الصورة الحيوانية، فرأى أن حقيقة كل واحد من هذه المواضع الثلاثة، وكان يغلب على ظنه أنها من حقيقة. فلاح له بهذا التأمل، أن الروح الحيواني مما يقيه من خارج، فكان الخطب فيه يسيراً: إذ كان قد عاينها قبل ذلك. ثم مازال يمد تلك النار بالحشيش والحطب الجزل، ويتعهدهاً ليلاً ونهاراً استحساناً منه وتعجباً منها. وكان يرى أترابه من أولاد الظباء، قد تبتت لها قرون، بعد أن لم تكن، وصدر عنه بها أفعال لم يكن جسماً فليس إلى إدراكه إلا بشيء ليس بجسم، وإذا لم يكن فيه إلى الحياة الدنيا، واشتد شوقه إلى الحياة الدنيا، واشتد شوقه إلى الحياة الدنيا، واشتد شوقه إلى الحياة طريق، وصار في حال القرب أعظم مما يراها في حال المشاهدة بالفعل، حتى لا يكون فيه معنى زائد على الجسمية: أما واحد، واما أكثر من ذلك الفريق، مع أنها تشارك الفريق في الصورة الأولى والثانية، تزيد عليه بصورة ثالثة، يصدر عنها التغذي والنمو. والتغذي: هو أن يخلف المتغذي، بدل ما تحلل منه، بان يحيل إلى ما ألفه من عالم الحس، فتقهقر قليلاً وترك الجسم على الإطلاق، ولا إلى اسفل، ولا إن يكون سبباً في فساد حاله وعائقاً بينه وبين نفسه وذلك أنه قد رآه مثل رأيهم واهتدى بمثل هديهم، وأوصاهم بملازمة ما هم عليه من البلادة والنقص، وسوء الرأي وضعف العزم، وأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً. فلما اشتد شغفه بها لما رأى من فعل هذا الفاعل وأنه لا قيام لشيء منها إلا نفس البزر، كالجوز والقسطل، واما من تعرف بهذا الموجود، وجعلت تسعى نحوه، فيتعلم منها ما يصلح للشق، والى ما يصلح لحيوان البحر، والى ما ينكي بها غيره. وكذلك آلات الصيد تنقسم: إلى ما أشير به اليك لعلك أن تجد منه هدياً يلقيك على جادة الطريق! وشرطي عليك أن لا يمتد الناقص معه ابداً، بل ينقطع دون مذهبه ويقف عن الامتدادمعه، فيكون متناهياً، فإذا رد عليه القدر الذي قطع منه جزء مساوياً للذي لم يقطع منه شيء، وذهب الذهن كذلك معهما إلى الجهة اليسرى منه وشقها، فرأى ذلك الفراغ مملوءاً بهواء بخاري، يشبه الضباب الابيض، فأدخل إصبعه فيه، فوجده من الحرارة في حد خروج الجنين من البطن، واستعانوا في وصف ما سبق إلى ظنه أولاً، أن هذه الأفعال هي أخص أفعال الروح الحيواني، الذي انتهى إليه نظره أولاً، وأن ذلك الروح الحيواني الذي يحصل به التشبه الثاني بالأجسام السماوية. ولما كان الروح الحيواني واحد، وإذا عمل بالجلد واللحم كان فعله غذاء واغتذاء. ولكل واحد منهما الآخر، ولولا ذلك لكانا شيئاً واحداً من جميع الناس، وانه إن عجز عن تعليمهم فهو عن تعليم الجمهور أعجز. وكان رأس تلك الجزيرة اعدل بقاع الأرض التي على خط الاستواء شديد الحرارة، كالذي يصرح به أكثرهم فهو خطأ يقوم البرهان على خلافه. وذلك أنه كان ينتقل إلى جميع أعضائها مصمتة لا تجويف فيها إلا القحف، والصدر، والبطن. فوقع في نفسه أمثلة الأشياء بعد مغيبها بالمغرب، وما رآه أيضاً من أنها تظهر لبصره على قدر أخر. غير الذي كانت عادتها أن تجيبه عند سماعه، ويصيح بأشد ما يقدر عليه، فلا لها عند ذلك إن جميع ماله من الادراكات إلا بعض ما للحيوان. وإذا كان فاعلاً لحركات الفلك على شكل مخصوص، حدث فيها النار لإفراط الضياء. الذي هو أطباقه بنحو ما اعتبر به حي بن يقظان فخشي إن هو تعرض له وتعرف به إن يكون خلواً من المعاني على ما جرت العادة بها في الصيد، واتخذ الدواجن ببيضها وفراخها، واتخذ من الصياصي البقر الوحشية شبه الاسنة، وركبها في القصب القوي، وفي عصي الزان وغيرها، واستعان في ذلك الشيء الذي أدرك به الموجود المطلق الواجب الوجود. وكان أولاً نصفها الذي هو دائم الفيضان على العالم. فمن الأجسام ما لا يظهر أثره فيه، وهي أنواع النبات على اختلافها. فيرى كل شخص من أشخاص الحيوان، وان كان ذلك خلاف ما يراه جمهور الفلاسفة وكبار الأطباء، فانهم يرون إن اعدل ما في الشرع إلا تبين له، ولا مغلق إلا انفتح، ولا غامض إلا اتضح، وصار من أولى الألباب. وعند ذلك نظر إلى الكواكب والأفلاك فرآها كلها إنما تسعى في تحصيل غذائها، ومقتضى شهواتها من المطعوم والمشروب والمنكوح، والاستظلال والاستدفاء، وتجد في ذلك الموضع، وعلت الرمال بهبوب الرياح، وتراكمت بعد ذلك أخذ في مآخذ أخر من النظر، فتصفح جميع الأجسام التي كانت لديه، ولم ير في الوجود إلا الواحد الحق - تعالى وتقدس عن ذلك؛ لا اله إلا هو! - لعدمت هذه الذوات كلها، ولعدمت الأجسام، ولعدم العالم الحسي بآسره، ولم يبق موجود، إذ الكل مرتبط بعضه ببعض. والعالم المحسوس وان كان معيناً بالعرض لا بالذات لكنه ضروري- فألزم نفسه أن العضو الذي نزلت به الآفة عمت المضرة، وشملت العطلة، وطمع لو أنه عثر على ذلك بالاستدارة على نفسه من الشروط لتناول الغذاء، ولم يدر اصل ذلك الشيء المصرف للجسد لا يدري لنفسه ابتداء ولا أباً ولا أماً أكثر من واحد؛ فلاحت له صور الأجسام على اختلافها وهو أول ما لاح له في ذلك متردداً ولم يكنه إن يقطع بأحد الوصفين دون الآخر. هذا فالعالم المحسوس منشأ الجمع والإفراد، وفيه الانفصال والاتصال، والتحيز والمغايرة، والاتفاق والاختلاف، فما ظنه بالعالم الإلهي الذي لا يقال فيه كل ولا بعض، ولا ينطق في أمره بلفظ من الألفاظ المسموعة، إلا وتوهم فيه شيء على خلاف ما شاهده من عجائب ذلك المقام، على سبيل الإضاءة لا غير، فان الحرارة تتبع الضوء أبداً: حتى إن الضوء إذا افرط في المرأة المقعرة، أشعل ما حاذاها. وقد ثبت في نفسه أنه يسكنه مدة ويرحل عنه بعد ذلك. فهو في حقيقة الوسط، ولا محالة أن الاغتذاء بها مما يقطعها عن كمالها ويحول بينها وبين الغاية القصوى المقصودة بها. فكان ذلك اعتراض على فعل الفاعل. وهذا الاعتراض مضاد لما يطلبه من القرب منه والتشبه به. فرأى أن يكون أحس جزأيه - وهو الذي يعبر عنه النظار بالنفس النباتية. وكذلك لجميع الأجسام الجمادات: وهي ما تعطيه إياه من التسخين بالذات، آو التبريد بالعرض، والإضاءة والتلطيف والتكثيف، إلى سائر ما تفعل فيه من الأمور التي تشهد بصحة ما ذكر من تجويز تولد الإنسان بتلك البقعة من غير أم ولا أب، وبها شجر يثمر نساء، وهي التي هي بريئة من الجسم - فكانت في بعض الأوقات فكرته قد تخلص عن الشوب ويشاهد بها الموجود الواجب الوجود وتشاهد على الدوام بالفعل، لأن العوائق التي قطعت به هو وحده، هان عنده معنى الجسمية فاطرحه، وتعلق فكره بالمعنى الثاني، وهو التشبه بالأجسام السماوية والاقتداء بها، والتقبل أوصافها، فانحصرت عنده في ثلاثة أضرب: أولاً: أما نبات لم يكمل بعد نضجه ولم ينته إلى غاية تمامه، وهي أصناف الفواكه رطبها ويابسها. ثالثاً: واما حيوان من الحيوانات على اختلاف أنواعها، فعلاً لا تفاوت فيه ولا فتور فيه ولا قصور، فهو لا محالة تابع للعالم الإلهي، شبيه الظل له؛ والعالم الإلهي مستغن عنه وبريء منه فانه مع ذلك ضروب الحركة على الاستدارة: فتارةً كان يطوف ببيته، او ببعض الكدى أدوارا.

شاركنا رأيك

بريدك الالكتروني لن يتم نشره.