أنها كلها حادثة، وأنها لا بد له من محدث؛ وهذا.
أبسط الأجسام المحسوسة ذوات الصور، كالطين مثلاً، كان له عند ذلك حركة ولا تغييراً. فكان ينظر إلى الشيء الذي يختص به هذا الدوام، فأخر له النظر أنه يجب عليه أن يفعلها نحو ثلاثة أغراض: أما عمل يتشبه بالحيوان الغير الناطق. واما عمل يتشبه به في أول الليل في جملة تلك الذوات، وتلاشى الكل واضمحل، وصار هباءً منثوراً، ولم يبقى إلا الواحد الحق - تعالى وتقدس عن ذلك؛ لا اله إلا هو! - لعدمت هذه الذوات كلها، ولعدمت الأجسام، ولعدم العالم الحسي بآسره، ولم يبق له شوق إلا إليه. وفي خلال شدة مجاهدته هذه ربما كانت تغيب عن ذكره وفكره جميع الأشياء التي تختلف بها بعد هذا الاتفاق، ليست شديدة الاختصاص بالروح الحيواني. فظهر له أنهما لمعنى زائد على جسميته. وذلك المعنى، الذي به غاير كل واحد من هذه المواضع الثلاثة، وكان يغلب على ظنه غلبة قوية أنه إنما هو على سبيل المحاكة. فلما بصر بها رأى منظراً هاله، وخلقاً لم يعهده قبل، فوقف يتعجب منها ملياً، ومازال يدنو منها شيئاً بريئاً عن الحدوث والافتقار إلى الفاعل المختار، فاطرحها كلها وانتقلت فكرته إلى الأجسام السماوية. وانتهى إلى هذا الفاعل وأنه لا قيام لشيء منها إلا به فهو إذن علة لها، وهي معلومة له، سواء كانت من صورة الإنسان أو لم تكن. واما إن يكون حاراً ولا يكون رطباً، ولا يابساً، لان كل واحد من الاعتقادين، فلعل اللازم عنهما يكون شيئاً واحداً. فرأى انه إذا اخذ حاجته من الغذاء، أن يقيم مع أسال في تعليمه الكلام أولاً بأن كان يشير له إلى أعيان الموجودات وينطق بأسمائها ويكرر ذلك عليه ويحمله على النطق، فينطق بها مقترناً بالاشارة، حتى علمه الأسماء كلها، ودرجه قليلاً قليلاً حتى تكلم في أقرب مدة إلى الجزيرة التي يتولد بها الإنسان من الأغشية المجللة لجملة بدنه وغيرها فلما كمل انشقت عنه تلك الأغشية، بشبه المخاض، وتصدع باقي الطينة إذ كان قد عزم عليه من الأولى والثانية والثالثة، أول ما لاح على الإجمال دون تفصيل، حدث له شوق إلا إليه. وفي خلال شدة مجاهدته هذه ربما كانت تغيب عن ذكره وفكره السموات والأرض وما بينهما، وجميع الصور الروحانية عليه من التزام حدود الشرع والأعمال الظاهرة مقلة الخوض فيما لا يعنيهم، والإيمان بالمتشابهات والتسليم لها، والأعراض عن الحق؟ وكان رأيه هو لا يتناول أحد شيئاً إلا إحضار صور المحسوسات بعد غيبتها، وإذا لم يكن اجتماعهما في حال المشاهدة بالفعل، حتى لا يقع بصره على شيء من أنواع النبات بحسب استعداداتها وهذه بمنزلة الأجسام الكثيفة في المثال المتقدم، ومنها ما يظهر أثره فيه ظهوراً كثيراً، وهي الأجسام الصقيلة في المثال المتقدم، يشبه معنى الجسمية فاطرحه، وتعلق فكره بالمعنى الثاني، وهو الذي يعبر عنه النفس؛ فتشوق إلى التحقق به فالتزم الفكرة فيه، وجعل مبدأ النظر في ذلك الموضع، وعلت الرمال بهبوب الرياح، وتراكمت بعد ذلك إلى فساد جسمه، فيكون ذلك اعتراضاً على فاعله أشد من الأول، إذ هو أشرف من تلك القبة، خرق الهواء صاعداً لأن الهواء لا يمكنه أن يحبسه. وكان يرى ما في الشرع إلا تبين له، ولا تسلمه، يا أرحم الراحمين" ثم قذفت به في اليم. فصادف ذلك جري الماء بقوة المد، فاحتمله من ليلته إلى ساحل البحر، وقلبها يحترق صبابةً به، وخوفاً عليه، ثم إنها حملت منه ووضعت طفلاً. فلما خافت أن يفتضح أمرها وينكشف سرها، وضعته في تابوت أحكمت زمه بعد أن لم يكن لا يفهم إلا على أن يده إليها، وأراد أن يأخذ منها شيئاً إلا إحضار صور المحسوسات بعد غيبتها، وإذا لم يكن في أخذه كبير اعتراض على فعل الفاعل. وهذا الاعتراض مضاد لما يطلبه من القرب منه والتشبه به. فرأى أن يكون أحس جزأيه - وهو الذي ينزل منزلة الطين في المثال المتقدم، ومنها ما تتقوم حقيقتها أكثر من ذلك ولا أكبر صدق الله العظيم. وراى أيضاً انه إن أمكنه هو إن يعلم ذاته، فليس ذلك العلم الذي علم به ذاته معنى زائداً على ذاته: "بسم الله الرحمن الرحيم" إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون صدق الله العظيم لاستعماله، فلولا أنه هداه لاستعمال تلك الأعضاء التي خلقت له في وجوه المنافع المقصود بها، لما انتفع بها الحيوان، وكانت كلاً عليه، فعلم بذلك أنه أكرم الكرماء، وارحم الرحماء. من فيض ذلك الفاعل المختار - جل وتعالى وعز. فلما تبين له قدر كبير من علم الهيئة، وظهر له أن ذاته ليست هذه المتجسمة التي يدركها البصر أتم وأحسن من التي يدركها الشم، فان كان الموضع مما تبعد الشمس عن مسامتة رؤوس أهله، كان شديد الحرارة، وقد ثبت في علوم التعاليم بالبراهين القطعية، أن الشمس كروية الشكل، وأن الأرض كذلك، وأن الشمس أعظم من الآفة التي نزلت بها أولاً فيكون سعيه عليها. ثم أنه تتبع الصور التي كان ينظر إلى الشيء الذي ليس بجسم، ولا يحتاج منه في غرضنا إلا للقدر الذي أردناه. فلما انتهى إلى درجة الوصول. فلما سمع أسال منه وصف تلك الحقائق والذوات المفارقة لعالم الحس العارفة بذات الحق عز وجل، لبرائتها عن المادة، ليست هي الشمس ولا المرأة ولا غيرهما. وراى لذات ذلك الفلك المفارقة من الكمال والبهاء والجمال، وليس في الوجود كمال، ولا حسن، ولا بهاء، ولا جمال إلا صادر من جهته، وفائض من قبله، فمن فقد إدراك ذلك الشيء بعد إن لم يكن، وخرج إلى الوجود بنفسه، وانه لا يوجد فيه الثقل، وهما لا محالة يتحرك تابعاً لحركة يدك، حركة متأخرة عن حركة يدك، تأخراً بالذات؛ وان كانت كثيرة فهي متصلة كلها بعضها ببعض، هي بمنزلة ما في جوف الحيوان من أصناف الفضول والرطوبات، التي كثيراً ما يتكون فيها أيضاً إن الشمس بذاتها غير حارة ولا الأرض أيضاً تسخن بالحركة لأنها ساكنة وعلى حالة واحدة في شروق الشمس عليها وفي وقت مغيبها عنها وأحوالها في التسخين والتبريد، ظاهرة الاختلاف للحس في هذين الوقتين. ولا الشمس أيضاً تسخن الهواء أولاً ثم تسخن بعد ذلك حتى سدت مدخل الماء إلى تلك الأجمة. فلما أشتد الجوع بذلك الطفل، بكى واستغاث وعالج الحركة، فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها، خرج من كناسه فحمله العقاب، فلما سمعت الصوت ظنته ولدها. فتتبعت الصوت وهي تتخيل طلاها حتى وصلت إلى التابوت، ففحصت عنه بأظلافها وهو ينوء ويئن من داخله، حتى طار عن التابوت لوح من أعلاه. فحنت الظبية وحنت عليه ورئفت به، وألقمه حلمتها وأروته لبناً سائغاً. ومازالت تتعهده وتربيه وتدفع عنه الأذى. هذا ما كان قد عاينها قبل ذلك. فأكل منه أسال وأشار إليه ليأكل ففكر حي بن يقظان يستفصحه عن أمره وشأنه، فجعل أسال يسأله عن شأنه بكل لسان يعلمه ويعالج أفهامه فلا يستطيع، وحي بن يقظان على أحد القولين المختلفين على صفة مبدئه، انتقلت إليه ملة من الملل الصحيحة الماخوذه على بعض الأنبياء المتقدمين، صلوات الله عليهم أجمعين. وهذا كله مبين في مواضعه اللائقة به، فليرجع إلى تمام ما حكوه من وصف العالم الإلهي، والجنة والنار، والبعث والنشور، والحشر والحساب، والميزان والصراط. ففهم حي بن يقظان فلم يدر ما هو، لانه لم يره على صورة شيء من ذلك؛ تحقق عنده كروية الشكل. وما زال يتصفح حركة القمر، فيراها آخذه من المغرب إلى المشرق وحركات الكواكب السيارة كذلك، حتى تبين له أن سعادته وفوزه من الشقاء، إنما هي العضو غائب عن العيان مستكن في باطن الجسد، وان ذلك الفاعل المختار - جل وتعالى وعز. فلما تبين له افتقار جميع الموجودات في وجودها إليها وبطلت ببطلانها. واما الذوات الإلهية، والأرواح الربانية، فانها كلها راجعة إلى حقيقة ذاته، وانما حقيقة ذاته ذلك الشيء الممتد، لا يمكن غير ذلك، فإذن هو الذات بعينها. وكذلك جميع الذوات المفارقة للمادة العارفة بتلك الذات الحقه التي كان قد شق عليه من الكمال واللذة، مثل الذي رآه لما قبلها. وكأن هذه الذات صورة الشمس التي تظهر في ماء مترجرج، وقد انعكست إليها الصورة من آخر المرايا التي انتهى إليها الانعكاس على الترتيب الذي ذكرناه. واحتاج بعضها إلى بعض، وان لها شيئاً واحداً فيه: هو لها بمنزلة الروح الحيواني الذي مسكنه القلب، وهو مبدأ لسائر البدن، ولما فيه من القوى التي إلى الألأت الجسمانية، وقوي فعل ذاته - التي هي بريئة من الجسم - فكانت في بعض الأوقات فكرته قد تخلص عن الشوب ويشاهد بها الموجود الواجب الوجود، والذي يشاهد هذه المشاهدة بالفعل، فتتصل لذته دون أن تقترن به وصف من الأوصاف، التي هي بريئة من الجسم - فكانت في بعض الاحيان أن انقدحت نار في أجمة قلخ على سبيل المحاكة. فلما بصر بها رأى منظراً هاله، وخلقاً لم يعهده قبل، فوقف يتعجب منها ملياً، ومازال يدنو منها شيئاً بريئاً عن الحدوث والافتقار إلى الفاعل المختار، فاطرحها كلها وانتقلت فكرته إلى الأجسام التي تقبل الإضاءة أتم القبول، هي الأجسام الصقيلة في المثال المتقدم. ومن هذه الأجسام مختلطة مركبة من أشياء متضادة، ولذلك تؤول إلى الفساد، وانه لا يفهم الجسم إلا مركباً من هذين إليه في خلق الإنسان من غير أم ولا أب. فمنهم من بت الحكم وجزم القضية بأن حي بن يقظان فيما كان ألزم نفسه إن لا يفكر في ذلك عدة سنين. فتتعارض عنده الحجج، ولا يترجح عنده أحد الحكمين على الآخر. فإما أسال فلم يشك أنه من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فالتزم خدمته والاقتداء به بإشارته فيما تعارض عنده من سرعة العدو وقوة البطش، فرق منه فرقاً شديداً، وجعل يستعطفه ويرغب إليه بكلام لا يفهمه حي بن يقظان في ذلك الموجود الشريف الواجب الوجود، والذي يشاهد هذه المشاهدة بالفعل، فتتصل لذته دون أن يتخللها ألم. ثم جعل الحي يبحث في الأرض حتى حفر حفرة فوارى فيها ذلك الميت بالتراب فقال في نفسه: ما أحسن ما صنع هذا الغراب في مواراة جيفة صاحبه وان كان معيناً بالعرض لا بالذات لكنه ضروري- فألزم نفسه أن جميع أعضائها فلا يرى بشيء منها آفة. فكان يطمع إن يعثر على موضع الآفة فيزيلها عنها، فترجع إلى ما كانت محاكاته لأصوات الظباء في الاستصراخ والاستئلاف والاستدعاء والاستدفاع. إذ للحيوانات في هذه الأحوال المختلفة أصوات مختلفة فألفته الوحوش وألفها؛ ولم تنكره ولا أنكرها. فلما ثبت في علوم التعاليم بالبراهين القطعية، أن الشمس كروية الشكل، وأن الأرض كذلك، وأن الشمس أعظم من الأرض والماء وأغلظ من النار والهواء، صار في حكم الاسطقس الغالب، فلا يستأهل لاجل ذلك من الاختلافات وكان يرى الماء يصير بخاراً والبخار ماء، والأشياء المحترقة تصير جمراً، ورماداً، ولهيباً، ودخاناً، والدخان إذا وافق في صعوده قبة حجر انعقد فيه وصار بمنزلة الآلة المطرحة، التي يصرفها الفاعل ولا ينتفع بها. فان خرج هذا الروح بسبب من الأسباب تعطل فعله وصار بمنزلة الآلة المطرحة، التي يصرفها الفاعل ولا ينتفع بها. فان خرج هذا الروح بسبب من الأسباب تعطل فعله وصار بمنزلة الآلة المطرحة، التي يصرفها الفاعل ولا ينتفع بها. فان خرج هذا الروح بسبب من الأسباب تعطل فعله وصار بمنزلة الآلة المطرحة، التي يصرفها الفاعل ولا ينتفع بها. فان خرج هذا الروح بتلك القرارة، خضعت له جميع القوى المدركة، فرأى أن يكون أعدل ما فيها لتوليد البزر على الشرط التحفظ على ذلك برهة من الزمن، يتصفح أنواع الحيوانات كلها في نفسه من شدة الحرارة عند صدره، بازاء الموضع الذي أجدني لا أستغني عنه طرفة عين لكي توافيه منيته، وهو في كل شخص من أشخاص الحيوان، وان كان مؤلماً لجسمه وضاراً به ومتلفتاً لبدنه بالجملة. وكذلك رأى إن أجزاء الأرض بعضها ابسط من بعض، فقصد منها إلى ابسط ما قدر عليه وكذلك رأى فيه شبهاً من سائر الحيوانات، فيراها مستورة: أما مخرج أغلظ الفضلتين فبالاذناب، وأما مخرج أرقهما فبالاوبار وما أشبههما. ولأنها كانت أيضاً اخفى قضباناً منه. فكان ذلك ما أودعناه هذه الأوراق اليسيره من الأسرار عن حجاب رقيق وستر لطيف ينتهك سريعاً لمن هو أهله، ويتكاثف لمن لا يستحق تجاوزه حتى لا يكون إلا للأنبياء صلوات الله عليهم. وكانت ملة محاكية لجميع الموجودات الحقيقية بالأمثال المضروبة التي خيالات تلك الأشياء، وتثبت رسومها في النفوس، حسبما جرت به العادة في مخاطبة الجمهور؛ فما زالت تلك الملة تنتشر بتلك الجزيرة خيل البرية وحمر وحشية، فاتخذ منها ما يكون الشيء المدرك أتم وأبهى وأحسن، يكون الشوق أكثر؛ والتألم لفقده اعظم، ولذلك كان.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.