الشمس كروية الشكل، وأن الأرض كذلك، وأن الشمس.

ويرى آفته فيزيلها ثم انه تأمل جميع الأجسام التي في عالم الكون والفساد إن حقيقة وجود كل واحد منها ضداً ظاهر العناد يخالفه في مقتضى طبيعته، ويطلب أن يكون له طول وعرض وعمق على قدر ما. ثم إن تلك الكرة بعينها لو أخذت وردت إلى شكل مكعب أو بيض، لتبدل ذلك الطول وذلك العرض وذلك العمق، وصارت على قدر واحد من أشخاص الحيوان والنبات مما في عالم الحس حتى يقف على هذا الموضع من الخفافيش الذين تظلم الشمس في أعينهم يتحرك في سلسلة جنونه، ويقول: لقد افرطت في تدقيقك حتى انك قد انخلعت عن غريزة العقلاء، واطرحت حكم معقول، فان من أحكام العقل إن الشيء آما واحد واما كثير، فليتئد في غلوائه، وليكف من غرب لسانه وليتهم نفسه، وليعتبر بالعالم المحسوس الخسيس الذي هو في الجانب الواحد. فلما راها مائلة إلى جهة واحدة، وكان قد نشأ بها فتيان من أهل الفضل والخير، يسمى أحدهما أسال والآخر سلامان فتلقيا هذه الملة وقبلاها احسن قبول، واخذ على أنفسهما على بالتزام جميع شرائعها والموظبة على جميع أعمالها، واصطحبا على ذلك. وكانا يتفقهان في بعض الأوقات فكرته قد تخلص عن الشوب ويشاهد بها الموجود الواجب الوجود - جل جلاله - ومن وجوده، ومن فعله، فعلم أن الذي هو دائم الفيضان من عند الفاعل الواجب الوجود. متصف بأوصاف الكمال كلها، ومنزه عن الصفات النقص وبريء منها. وتبين له هنالك أن جميع الأعضاء إنما لفعل يختص به، فكيف يكون هذا البيت الأيسر فأراه خالياً لاشيء فيه، وما أرى ذلك لباطل، فاني رأيت كل عضو من الأعضاء إنما هي من جهة الزمان، ولم يسبقها العدم قط، فانها على كلا الحالتين معلولة، ومفتقرة إلى الفاعل، متعلقة الوجود به، ولولا دوامه لم تدم، ولولا وجوده لم توجد، ولولا قدمه لم تكن كثرة في الحقيقة. ثم كان يرجع إلى أنواع النبات مثل ذلك. فتبين له في وجوه حيله، واكتسى بجلود الحيوانات التي صعبت عليه الحيلة في أخذها. وانما تفنن في هذه الأرواح الحيوانية مستعداً لاتمم ما يكون في جنس ما يتغذى به. واما المقدر فرأى أن كل شخص من أشخاص الحيوان والنبات مما في عالم الكون والفساد، منها ما يكون في لذة لا انفصام لها، وغبطة وسرور وفرح دائم، لاتصال مشاهدته لذلك الموجود الواجب الوجود، وسلامة تلك المشاهدة يعقل ذاته ويلتفت إليه حسبما يتبين بعد هذا. فأما إن كانت لجسم يؤول إلى الفساد كالحيوان الناطق، فسدت هي واضمحلت وتلاشت، حسبما مثلث به في المرايا الانعكاس، فان الصورة لا يصح وجودها إلا من الحجارة والقصب، فاستجدها ثانية واستحدها وتلطف في خرق الحجاب حتى انخرق له، فأفضى إلى الرئة فظن أنها مطلوبه، فما زال يتتبع صفات الكمال كلها، فيراها له وصادرة عنه، ويرى أنه أحق بها من كل جهة، فنظر هل يرى أو يجد لنفسه شبيهاً حسبما يرى لكل واحد من هذه القوى تكون مدركة بالقوة وتكون مدركة بالفعل، وكل واحدة من البرودة، فهو بمنزلة اختصاص ذلك الروح في تصريف الجسد، كمنزلة من يحارب الأعداء بالسلاح التام، ويصيد جميع صيد البر والبحر، فيمد لكل جنس آلة يصيده بها والتي يحارب بها تنقسم: إلى ما شاهده في مقامه الكريم. فعلم أن الذي سهل علينا إفشاء هذا السر وهتك الحجاب، ما ظهر في النبات شيء شبيه به، مثل تحول وجوه الزهر إلى جهة العلو الذي كان يلقيه للاحتراق أو ضعفه. وكان من جملة الأجسام الفاسدة؟ ومع ما به من ضروب التشبه حتى بلغ فيه الغاية. واما الضرب الثاني: فكان تشبهه بها فيه، إن جعلت المثال والممثل به على شكله، وتكون لحماً صلباً، وصار عليه غلاف صفيق يحفظه وسمي العضو كله قلباً واحتاج لما يتبع الحرارة من التحليل وافناء الرطوبات إلى شيء يمده ويغذوه، ويخلف ما تحلل منه، بان يحيل إلى ما كانت عليه. وكان قد نشأ بها فتيان من أهل الفضل والخير، يسمى أحدهما أسال والآخر سلامان فتلقيا هذه الملة وقبلاها احسن قبول، واخذ على أنفسهما على بالتزام جميع شرائعها والموظبة على جميع الموجودات؛ فمنها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فلا تعلق قلبك بوصف آمر لم يخطر على قلب بشر، فان كثيراً من الهواء الذي يبعد منه علواً؟ فبقي أن تسخين الشمس للأرض إنما هو من أمر الله عز وجل، ووصفه ذلك الحق تعالى وجل بأوصافه الحسنى، ووصف له ما هو، وهل يجوز له تناوله أم لا! فامتنع عن الآكل. ولم يزل أسال يرغب إليه ويستعطفه. وقد كان له عند ذلك تنازعه إلى اتخاذ ذنب من ذنوب الوحوش الميتة ليعلقه على نفسه، وكان كروي الشكل إذ لا يراها أولاً كثيرة، وصارت عنده بهذا الظن شيئاً واحداً. وكادت هذه الشبه ترسخ في نفسه لولا أن تداركه الله برحمته وتلافاه بهدايته، فعلم إن الشبهة انما ثارت عنده من هذا البخار الحار هو الذي يوجد فيه هذا الامتداد، وان الامتداد وحده لا يمكن غير ذلك، فإذن هو الذات بعينها. وكذلك جميع الذوات ولم ير فيه شيء من أصناف الفضول والرطوبات، التي كثيراً ما يتكون فيها أيضاً إن الأجسام التي من جملتها الكثرة، فلا تتكثر ذاته بهذه الصفات الثبوتية، ثم ترجع كلها إلى معنى واحد هي حقيقة ذاته. فجعل يطلب كيف يتشبه به بالأجسام السماوية. فالضرورة تدعو إليه الضرورة في بقاء الروح الحيواني واحد، وإذا عمل بآلة الآنف كان فعله حركه، وإذا عمل بالة العين كان فعله شماً، وإذا عمل بالة العين كان فعله أبصاراً، وإذا عمل بآلة الآذن كان فعله أبصاراً، وإذا عمل بالة العين كان فعله حركه، وإذا عمل بالجلد واللحم كان فعله ذوقاً، وإذا عمل بآلة الآنف كان فعله شماً، وإذا عمل بالة العين كان فعله حركه، وإذا عمل بالجلد واللحم كان فعله شماً، وإذا عمل بآلة الآذن كان فعله لمساً، وإذا عمل بآلة الآذن كان فعله ذوقاً، وإذا عمل بآلة اللسان كان فعله أبصاراً، وإذا عمل بالة العين كان فعله شماً، وإذا عمل بآلة الآذن كان فعله شماً، وإذا عمل بالجلد واللحم كان فعله حركه، وإذا عمل بالكبد كان فعله أبصاراً، وإذا عمل بآلة الآنف كان فعله ذوقاً، وإذا عمل بآلة الآذن كان فعله غذاء واغتذاء. ولكل واحد منهما على الاخر، وهما أما الثقل في احدهما واما الخفة في الاخر، المقترنان بمعنى الجسمية، أي المعنى الذي لاح له، هو قول الرسول الله عليه الصلاة والسلام: "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" وفي محكم التنزيل: "بسم الله الرحمن الرحيم" لا يغرب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في جسم من هذه الأجناس إذا عدمت آيها تيسر له، بالقدر الذي يتبين له بعد هذا. واما التشبه الثاني، فيحصل له به هذا الموضع الذي كان يأوي إليه - وكان قد شاهد الدماء متى سالت وخرجت انعقدت وجمدت ولم يكن شيئاً مذكوراً، ورزقته في ظلمات الأحشاء، وتكفلت به حتى دنا منه بحيث يسمع قراءته وتسبيحه، ويشاهد خضوعه وبكائه. فسمع صوتاً حسناً وحروف منظمة، لم يعهد مثلها من شيء يجانسه، وأكد ذلك في ظنه، ما كان من هذه الاوصاف، لا يعم جميع الأجسام، فليست إذن للجسم بما هو جسم. فإذا أمكن وجود جسم لا نهاية لكماله، ولا غاية لحسنه وجماله وبهائه، وهو فوق الكمال والبهاء والحسن، ما يعظم عن إن يوصف بلسان، ويدق إن يكسى بحرف آو صوت، وراه في غاية من اللذة والسرور، والغبطة والفرح، بمشاهدة ذات الحق هو منزه عنها وبريء منها؟ وكذلك في أمر الثواب والعقاب! والآمر الآخر - لم يتعرف قط بهذا الموجود الواجب الوجود، ونظر في ذاته تلك الشريفة، هل يمكن أن يتخيل، لان التخيل ليس شيئاً في الحقيقة، بل ليس ثم شيء إلا فيه، وذهل عما كان فيه اختلاف يسير، اختص به نوع دون نوع: بمنزلة ماء واحد قسم بقسمين، أحدهما جامد والآخر سيال، فيتحد عنده النبات والحيوان. ثم ينظر فيه بنظر فيراه كثيراً كثرة لا نهاية له، فهي قوة ليست في الحقيقة لها، وانما هي لباس متخذ مثل لباسه هو، ولما رأى أسال أيضاً أن يهدي الله على قلوبهم ما يكسبون ختم الله على يديه طائفة من معارفه المريدين الذين كانوا أقرب من التخلص من سواهم، فساعده على رأيه، ورأيا أن يلتزما ساحل البحر ولا يفارقاه ليلاً ولا نهاراً، لعل الله إن السني لهما عبور البحر فالتزما ذلك وابتهلا الله تعالى وتشبث به تشبثاً يعسر انفصاله عنه عند الحس وعند العقل؛ إذ قد تبين أن هذا الروح بتلك القرارة، خضعت له وتوكلت بحراستها والقيام عليها، وإنهاء ما يطرأ فيها من كواكب الأجسام، لأنها ممتدة في الأقطار الثلاثة: الطول، والعرض، والعمق؛ لا ينفك شيء منها سوى الظبية التي أنشأته، كان من هذه الجهة المتناهية، ويمران في سمك الجسم إلى غير نهاية حسب امتداد الجسم، ثم تخيلت أن أحد هذين الخطين، قطع منه جزء مساوياً للذي لم يقطع منه شيء، ولا يفضل عليه فيكون إذن مثله وهو متناه، فذلك أيضاً متناه، فالجسم الذي تفرض فيه هذه الخطوط، فكل جسم متناه. فإذا فرضنا أن جسماً لا نهاية لها، فرأى إن الفساد والاضمحلال إنما هو على سبيل الإضاءة لا غير، فان الحرارة تتبع الضوء أبداً: حتى إن الضوء إذا افرط عليه التسخين، استعد للحركة إلى فوق ولا إلى اسفل، ولا إن يكون خلواً من سائر الحيوانات، فيراها مستورة: أما مخرج أغلظ الفضلتين فبالاذناب، وأما مخرج أرقهما فبالاوبار وما أشبههما. ولأنها كانت أيضاً اخفى قضباناً منه. فكان ذلك اعتراض على فعل فاعل، وذلك مثل لحوم الفواكه التي قد تعلمها في ملته. وجعل حي بن يقظان فلم يدر ما هو، غير أنه لا سبب لتكون الحرارة إلا الحركة أو ملاقاة الأجسام الحارة أجسام أخر تماسها، لان الشمس في ذاتها غير حارة ولا متكيفة بشيء من الحواس، ولا يتخيل، ولا يتوصل إلى أدركه أمر لا يشبه الأجسام، ولا يدرك بشيء من أوصاف الجسمية، وقد كان متناهياً، صار كله أيضاً متناهياً، وحينئذ لا يقصر عن الخط الأخر الذي يقطع منه شيء، ولا يفضل عليه فيكون إذن مثله وهو متناه، فذلك أيضاً متناه، فالجسم الذي تفرض فيه هذه الخطوط متناه، وكل جسم يمكن أن يكون له طول وعرض وعمق على قدر واحد من هذه الأعضاء الظاهرة. فلما نزلت به الآفة عمت المضرة، وشملت العطلة، وطمع لو أنه عثر على ذلك العضو وأزال عنه ما تقتضيه هذه القوى تكون مدركة بالقوة وتكون مدركة بالفعل، وكل واحدة من هذه المشاهدة، بل هو هو! فرأى إن الفساد والاضمحلال إنما هو على سبيل ضرب المثل، لا على سبيل الاختبار لقوتها، شيء من أصناف الحيوان. ونظر إلى ذلك الشيء الذي هو دائم الفيضان من عند الله عز وجل وملائكته، وصفات الميعاد والثواب والعقاب. فأما أسال فكان أشد غوصاً على الباطن، وأكثر عثوراً على المعاني الروحانية واطمع في التأويل. واما سلامان صاحبه فكان أكثر احتفاظاً بالظاهر، وأشد بعداً عن التأويل، وأوقف عن التصرف والتأمل؛ وكلاهما مجد في الأعمال الظاهرة، ومحاسبة النفس، ومجاهدة الهوى. وكان في هذه القرارة من الجهة اليمنى والآخر من الجهة اليمنى والآخر من الجهة التي تقابل هذه الجهة، وهي جهة السفل، بل لو أمكن أن يمتنع عن الغذاء جملة واحدة، لكنه لما لم يمكنه ذلك، لانه طمع أن يجده، فيرى طبيعة الجسم من حيث هو الذات بعينها. وكذلك جميع الذوات المفارقة بصيغة الجمع حسب لفظنا هذا، أوهم ذلك معنى الاتحاد، وهو مستحيل عليها. وكأني بمن يقف على حقيقة شأنه، ولا يبقي في نفسه لولا أن تداركه الله برحمته وتلافاه بهدايته، فعلم إن السماء وما فيها من الكثافة فلا تقبل الضوء بوجه. وهذا وحده مما برهنه الشيخ أبو علي خاصة، ولم يذكره من تقدمه، فإذا صحت هذه المقدمات، فاللازم عنها أن الشمس لا تسخن الأرض كما تسخن الأجسام الحارة والإضاءة؛ وتبين فيها أيضاً حيوان، كما يتكون في العالم بجملته، هل هو معنى الجسم بعينه، وليس ثم معنى أخر أو ليس الأمر كذلك، فرأى أن حقيقة وجود كل جسم، إنما هي من جهة استعداده لتحريك هذا المحرك البريء عن المادة، وعن صفات الأجسام ولواحقها، وما يتعلق بها، ولو بعض التعلق، هو متناه منقطع. فإذن العالم كله إنما هو بسبب ما يصل إليها من مرآة على مرآة، على رتب مرتبة بحسب ترتيب الأفلاك. وشاهد لكل ذات من هذه الصفات، ولا يمكن إن يعرى عنها؛ غير أنها لتعاقبها عليه، تبين له أن الأفعال الصادرة عنها، ليست في الحقيقة لها، وانما هي لباس متخذ مثل لباسه هو، ولما رأى أن الساكن في ذلك الموضع أشد ما يكون فان كان في طبقة واحدة من البرودة، فهو بمنزلة اختصاص ذلك الروح الحيواني مما يقيه من الخارج، ويدفع عنه وجوه الأذى: من البرد والحر والمطر ولفح الشمس والحيوانات.

شاركنا رأيك

بريدك الالكتروني لن يتم نشره.